بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين.
أخي القارئ الكريم البحث الماثل بين يديك يمثل مناقشة فكرية ومطارحة علمية لبعض الآراء التي طرحت من خلال سلسلة من خطب الجمعة, والتي تتلخص في نفي العدة عن المطلقة والمفارقة, واستبدال العدة بالفحص الطبي المؤكد لخلو المرأة من الحمل, وفي احتمال فرض عدة الوفاة على الرجل كما هي على المرأة, وما استتبع ذلك من مخالفات ومفارقات لأسس وقواعد الاستدلال, وما خلف من رؤية ضبابية حول الموقف من شبهات أعداء الإسلام, حيث لم يوفق الطرح في حل الشبهات وجوابها بل زاد الطين بلة, فاستدعى منا تسجيل ملاحظات سريعة وإرسالها حتى يتدارك ما فرَط بشكل عاجل, ويصحح ما ينبغي تصحيحه. وكان أملنا الكبير ان تلاقي مبادرتنا موقفا ايجابيا ليسدل الستار على هذه القضية دون ان تترك آثارها السلبية على الساحة الإيمانية, وبلا حاجة لان تنفث بدخانها في بيئتنا وتزيد من نسبة التلوث الذي يستدعي مبادرات وجهود مضاعفة للتخفيف من تلك الأعباء والآثار, غير ان ما واجهناه مع الأسف الشديد إصرار على تلك الآراء ورمينا بعدم الفهم من خلال بعض خطب الجمعة اللاحقة, لتنتشر تلك الآراء انتشار النار في الهشيم, دون تصد ومواجهة لها أو تصحيح وتراجع عنها, وتحت إصرار جملة من أهل العلم على نشرها دفاعا عن الدين وصونا للعقيدة وبتبرع من بعض المحسنين قدمتها للنشر وسميتها (مسؤولية الخطب وبراءة الخطيب) إيمانا مني ببراءة سماحة الشيخ وعدم رضاه بالنتائج الكارثية التي تمس سلامة الإسلام وصحته من ناحية عقيدية والمترتبة على بعض الجوانب من خطبه.
فإليكها متمثلة في أصل الخطاب والملاحظات التي أرسلتها له, مع إضافات وتنقيحات تناسب النشر.
المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة الشيخ............. دامت توفيقاته وتأييداته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اطلعنا على أطروحاتكم المدونة في نشرة الحكمة حول العدة, في إطار الدفاع عن الإسلام والذب عن حياضه, في قبال شبهات أعداء الدين كما ترون, فجزاكم الله على حسن النية خير الجزاء.
سماحة الشيخ يواجه الإسلام تحديات كثيرة, ليس اقلها الشبهات والأفكار المعادية فالهجمات الشرسة التي تستهدف الدين والمذهب تستدعي منا جميعا التكاتف والتلاحم للدفاع عن حياضه, فالحرص على الدين والإخلاص لله سبحانه يفرضان وبإلحاح ان نقف صفا واحدا ضد أعداء الدين, كما يجب ان نهتم بجانب أخلاق المجتمع والتركيز على تنمية التقوى والروح الأخلاقية, في مواجهة فيروس الانحراف والإقبال على الدنيا على حساب الدين عند الكثيرين, فالعمل والبناء على الجبهتين يتطلب منا جهودا مضاعفة, وان نعمل كمؤسسة تجمع الجهود, لا كأفراد متفرقة أتعابهم, غير ملتحمة أعمالهم, ومن هذا المنطلق حرصت على تقديم ملاحظات خاطفة لسماحتكم, أملا في المساهمة في نصرة شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله الطاهرين.
نعم فلست ممن يهوى الجدل فيما يعنيني فضلا عما لا يعنيني, وليس من طبعي متابعة ما يطرح من آراء لمناقشتها, نعم نناقش الآراء العلمية في حدود البحث العلمي وضمن دائرة ذوي الاختصاص ممن يحضر دروسنا, إلا ان طرحكم بعض الآراء التي لا تناسب عامة الناس لكون غالبيتهم من غير ذوي الاختصاص, برغم تحفظنا عليه, لا يعنينا ولا يهمنا إبداء التحفظ عليه, ولا يستدعي منا تعليقا لو وقف الأمر عند هذا الحد, ولكن حينما يطال الرأي سلامة العقيدة, ويوجب زعزعة عقائد الناس, وزرع الشكوك حول الإسلام, في الوقت الذي كان الغرض المعلن من طرحها تعميق الوعي الديني, عند ذلك يحتم علينا الواجب الديني ان نقدم طرحنا للدفاع عن الإسلام, ورفع الشبهة عنه وبيان ما يعتري مثل تلك الآراء من الخلل والسقم, برغم حبنا العميق لكم لاعتقادنا صدقكم وإخلاصكم فيما تطرحون للدفاع عن الدين, مما شجعنا على ولوج هذا الباب فنأمل ان يتسع صدركم لما نطرح, خدمة للحقيقة ومؤازرة للدين والعقيدة, مع احترامنا الكامل لما ترون وتعتقدون, فلا نستهدف شخصكم, بل نفس الفكرة, نعظم القائل ونسمح لأنفسنا مطارحة ما يقال, لا لشيء إلا للدفاع عن الحق, ولا نظن بسماحتكم إلا خيرا, وكان أملنا ان لا تطرح مثل تلك الآراء الغريبة, على المستوى العام وفي الهواء الطلق, لما تخلقه من بلبلة تضر المصلحة الإسلامية العامة, فضلا عن التشويش وإلقاء الشبهات على الإسلام, ولكن سبق السيف العذل, فإلى ما دار في الفكر القاصر وجال في الذهن الفاتر.
فقد طرحتم في بعض خطب الجمعة رأيين حول العدة, احدهما يرفع ما وضعه الله سبحانه يتلخص بإسقاط عدة الفراق واستبدالها بالفحص الطبي, أو ما يقوم مقامه من وسائل منع الإنجاب, وكل ما يؤكد الخلو من الحمل. والرأي الآخر يضع –على مستوى الاحتمال- ما رفعه الله سبحانه وهو عدة الوفاة على الرجل وهنا نحاول إلقاء نظرة خاطفة على ذلك لبيان الخلل في الرأيين المطروحين.
فقد طرح الرأيان تحت يافطة الدفاع عن الإسلام والجواب على سؤال (هل الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟)
إذ طرحتم السؤال الأول في:-
الخطبة الأولى من صلاة الجمعة في المحرق - مملكة البحرين - جامع الحيّاك 2/رجب المرجب/1427ﻫ - 28/7/2006م.
هل الإسلام يصلح نظاماً للبشرية في كل زمان؟ (15)
هناك تقدم علمي مذهل، وهذا التقدم العلمي له نتائجه، وعندما طرحت الشبهة في دائرة هذه المفردة الخامسة في جامع عراد ذكرت هذا المثال: الإسلام يُوجب على المرأة أن تعتدّ بعد الطلاق من زوجها، وعندما نراجع كلمات الفقهاء نجدهم يعللون هذا الحكم بأنه لتجنب اختلاط المياه, أي حتى لا يختلط ماء زوجها الأول بماء الزوج الثاني الذي ربما يتزوجها بعد الطلاق من الزوج الأول، وحتى لا تختلط الأنساب، والمقصود وضوح أن المولود - في حالة الحمل - ابنٌ لمن؟ هل للزوج السابق أو لمن تزوجها بعد ذلك؟ الإسلام أوجب على المرأة الاعتداد بما يقرب من ثلاثة أشهر وحرَّم عليها الزواج في هذه الفترة، لكن الطب يمكنه الآن أن يكتشف أن المرأة حاملة أو لا في خلال دقائق, فلماذا الحكم بجوب الإعتداد على المرأة؟ ومع ذلك يصِّر الإسلام وفقهاء المسلمين على أن المرأة يجب عليها أن تعتد حتى مع إمكان التأكد من حمل أو عدم حمل المرأة من خلال الطب الحديث وبشكل سريع! بينما التطور العلمي في الحياة البشرية يغنينا عن هذا الحكم الذي جاء به الإسلام بسبب ظروف معينة، بسب عدم تمكن المرأة آنذاك من معرفة أنها حاملة أم لا، أما الآن وما دام أن هذا التقدم العلمي موجودٌ فلا داعي لهذا الحكم، فكيف يصر فقهاء المسلمين على هذا الحكم مع أن فلسفته أصبحت منتهية, فلم يبق مجالاً لفلسفة هذا الحكم.
إلى أن طرحتم السؤال:
ولذا يتوجه هذا السؤال: هل يصلح الإسلام نظاماً لإدارة الحياة البشرية في كل زمان؟
وكان نص جوابكم:-
نحن نرى أن الإسلام إنما أوجب على المرأة أن تعتد بقدر ثلاثة أشهرٍ - تقريباً - عند الطلاق بهدف وفلسفة التأكد من وجود أو عدم وجود الحمل، هذه هي فلسفة العدة، وهذا المعنى يمكن أن نستفيده من مجموعةٍ من القرائن والأحكام التي وردت في كلام وأخبار أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام) وأشير هنا فقط إلى خمس من القرائن التي تُوصلنا إلى هذا الاستنتاج, أعني أن فلسفة وجوب العدة في حالات الطلاق شيءٌ واحدٌ فقط, وهو التأكد من وجود الحمل أو عدم
وجوده.........
وأن الفلسفة منحصرةٌ في أمرٍ واحد, وهو التأكد من وجود الحمل أو عدم وجوده......... وفي نهاية هذه الخطبة قد تقول لي: بناءً على ما مضى, إذاً في هذا الزمان الذي يتمكن الطب فيه من أن يكتشف أن المرأة حاملٌ أم ليست بحاملٍ في دقائق معدودة، لماذا تعتد وتنتظر المرأة المطلقة ثلاثة أشهرٍ تقريباً حتى يتبين أنها حاملة أو لا, وإذا أثبتت الفحوص الطبية أنها ليست بحاملة فلماذا يجب عليها الصبر والإعتداد, ولا يجوز لها الزواج؟ أقول: الفقهاء إلى الآن رأيهم هكذ: إنه يجب على المرأة أن تعتد حتى إذا فحصت وتبين أنها ليست بحاملة, لكن رأيي الشخصي في المسألة أنه مع تأكُّد عدم وجود الحمل من خلال الفحص الطبي فلا يبعد عدم وجوب العدة على المرأة، والرأي المشهور بين الفقهاء: أنه حتى مع تأكد عدم الحمل يجب عليها الإعتداد.()
السؤال الثاني: وقبل طرحكم السؤال قدمتم توضيحا لرأيكم فقلتم:
التوضيح الأول: فلسفة عدَّة الوفاة إن عدّة الوفاة قد فُرضت في الإسلام على المرأة بهدف ومن منطلق ضرورة احترام الزوجة لزوجها عندما يتوفّى الزوج، فالهدف من فرض عدّة الوفاة هو تأصيل ثقافة احترام الزوجة لزوجها عندما يتوفّى الزوج, وتأصيل ثقافة أن للزوج موقعاً في البيت يجب احترامه باعتبار أنه يمثّل ربّ الأسرة فلابد وأن يكون هناك حدادٌ وحزنٌ على الزوج، وهذا بطبيعة الحال لا يجتمع مع أن تتزوج المرأة بعد وفاة زوجها فوراً من رجلٍ آخر، فكونها في حالة الحداد والحزن على الزوج يقتضي أن تمتنع من الزواج من رجلٍ آخر إلى فترة.
هناك شواهدٌ كثيرةٌ في الأحكام والفروع الفقهية التي تؤكد هذا التفسير والتحليل وأن عدة الوفاة إنما فُرضت في الإسلام من أجل احترام الزوج، وليس بهدف التأكّد من وجود أو عدم وجود الحمل في رحم المرأة، فالهدف ليس أن لا يشترك رجلان في حمل المرأة، والمسألة لا علاقة لها بمسألة الحمل واحتمال كون المرأة حاملة، فهذه العدة تختلف عن عدّة الطلاق، وعدة الانفصال، إذ فلسفة هذه العدة والهدف منها احترام الزوج من ناحية الزوجة.
وبعد كلام طويل مهدتم ثانيا للسؤال فقلتم:
في إطار البحث عن مسألة العدّة الواجبة على المرأة التي طرحناها متابعةً للشبهة التي تثار ضد الإسلام من أنه هل يصلح الإسلام نظاماً لإدارة الحياة البشرية في كل زمان, نتابع هذه الخطبة ونطرح النقطة الرابعة في مسألة العدة والتي تتعلق بعدّة الوفاة.
إلى ان طرحتم السؤال الثاني:-
السؤال الأول: (الأول بلحاظ الخطبة) لماذا لم تفرض عدة الوفاة على الرجل؟
لماذا فرض الإسلام على المرأة أن تحترم زوجها عندما يتوفى الزوج, ونتيجةً لهذا الفرض حرّم عليها أن تتزوج من رجلٍ آخر إلى فترة أربعة أشهرٍ وعشرة أيام؟ في حين لم يفرض هذا الاحترام على الزوج؟
جوابكم:
الجواب: الحق والإنصاف قد يقتضي أن يكون هذا الاحترام مفروضاً على الجانبين, أي على الرجل والمرأة.() (انتهى موضع الحاجة)
الملاحظات
الملاحظة الأولى: قبول مبدأ الشبهة ضمنيا على الإسلام.
إن طرح هذا الرأي في هذا السياق يتضمن الاعتراف بالإشكال, وان الإسلام إذا لم يتبن هذا الرأي الذي يكتفي بالفحص بديلا عن العدة في السؤال الأول, فهو إسلام غير صالح لكل زمان ومكان, وبالتالي فلا يصلح لهذا الزمان, وإذا لم يقبل الإسلام بالمساواة في عدة الوفاة بين الرجل والمرأة, فهو إسلام ناقص وظالم ليس بالنسبة لهذا الزمان فحسب, بل من حين نزول الوحي, فدفع الإشكال عن الإسلام يتوقف على قبول أطروحتكم, وبعبارة أخرى السؤال يفرض إن علة العدة الوحيدة هي التأكد من خلو المطلقة من الحمل, والمجيب انساق مع هذا التصور بل وأكد عليه مرارا, وناقش من يدعي غير ذلك طوال خطب الجمعة العديدة, فبالنسبة للسؤال الأول وما ارتكز عليه, منطقيا يجب أن يأخذ التطور الطبي والفحص المخبري دوره في استبدال العدة الزمنية, وإلا كان التشريع رجعيا متخلفا لا يتناغم مع الحداثة, وهذا ما استنتجه أو وافقه جنابكم حسب قبول مبدأ السؤال. وهنا مربط الفرس وبيت القصيد إذ يوافق المجيب السائل في عدم صلاحية إسلام فقهاء المذاهب طرا لهذا الزمان باستثناء الإسلام الذي تصورونه!.
وهكذا الحال بالنسبة لعدة الوفاة فرضتم أن العلة الوحيدة هي احترام الزوج ورتبتم عليه التساؤل عن عدم المساواة في عدة الوفاة, ولماذا لا يلزم الشارع الزوج باحترام زوجته, كما ألزم الزوجة باحترام الزوج, فبالنسبة لجواب السؤال الثاني اتسع الفتق بشكل اكبر فبعد قبول مبدأ الشبهة بالجزم بعلة عدة الوفاة, واعتقادكم بضرورة المساواة في تشريع عدة الوفاة, لم تدفعوا الشبهة عن الإسلام حتى باطروحتكم, بل اتساع الفتق هنا من أربع نواح:-
الناحية الأولى: انتفاء شبهة منصوص العلة, عكس الحال في جواب السؤال الأول, حيث في جواب السؤال الأول استدللتم بأمور احدها رواية (إنما العدة من الماء) وفيها شبهة العلة المنصوصة() أعني تصوركم ان العلة ذكرت في الروايات, أو احتمال ذلك, وسنعلق على ذلك لاحقا.
الناحية الثانية: هذه الشبهة لا ترتبط بخصوص هذا الزمان بل تستهدف نفي عدالة الإسلام من أول يوم جاء فيه, فهي تقول الإسلام ليس عادلا لأنه لا يساوي بين الرجل والمرأة في عدة الوفاة, فهو غير صالح في ذلك الزمان وغير صالح في هذا الزمان وغير صالح لأي زمان.
الناحية الثالثة: الجواب احتمالي, وهذا معناه القبول باحتمال نقص الإسلام وخلله في هذا التشريع, فمادامت المساواة التي تدفع التهمة عن الإسلام محتملة في الشريعة, فهذا لا يعالج المشكلة بل يبقي على احتمال عدم المساواة المساوي لاحتمال الخلل والنقص والظلم في شريعة الإسلام.
فقبول مبدأ السؤال مع تقديم حل محتمل يساوي الشك في عدالة الإسلام, فالسؤال يقول لماذا يظلم الإسلام المرأة ولا يفرض على الزوج احترامها كما فرض احترامه عليها والجواب يقول أنا احتمل ان الإسلام يساوي بينهما وبالتالي احتمل ان الإسلام عادل بالأمس وعادل اليوم ولست متأكدا من ذلك هذا ما سيفهمه السامع والقارئ لخطابكم.
مع أني اعتقد أنكم لا تقصدون ذلك فالعتب على التعبير الذي خانكم والعبارات التي لم تكشف عن مقصودكم بأمانة.
الناحية الرابعة: ربطكم أطروحة (عدة الرجل) وصبها في إطار الجواب عن سؤال صلاحية الإسلام لكل زمان يوحي بان الظلم أمر نسبي خاضع للأعراف والثقافة الاجتماعية فما كان عادلا في زمان النبي (ص) قد لا يكون عادلا في هذا الزمان, فاختصاص فرض العدة بالنساء كان عادلا زمان النبي والأئمة (ع) ولكنه ليس عادلا في هذا الزمان, وهذا ما يجعل ارتباط جوابكم بالسؤال العريض منطقيا وبغير هذا الوجه لا افهم العلاقة بين السؤال والجواب.
فهل علاقة الجواب بالسؤال علاقة كبرى نسبية الأخلاق بأحد مصاديقها؟ وكتطبيق لذلك يكون التفريق بين الجنسين لا يتطابق مع معايير العدالة في زماننا, وبالتالي لا يصلح الإسلام -لو بقي على ذلك- لهذا الزمان. فهل تقصدون انه كان صالحا في ذلك الزمان وانتهى تاريخ صلاحيته لاختلاف معايير العدالة وتبدلها؟ هذا يقودنا لمسألة نسبية الأخلاق ويستدعي إعادة النظر في كل تشريعات الإسلام الأمر الذي لا أظنكم تقبلون به.
فهناك مؤشران مختلفان في كلامكم أحدهما يتجه لفكرة نسبية الأخلاق وهو سرد الأطروحة في سياق الجواب عن التساؤل عن صلاحية الإسلام لكل زمان حتى لا يكون ربط الجواب بالسؤال غير منطقي, لتكون النتيجة نسبية الأخلاق مثلما ادعيتم نسبية البديهات والمسلمات بحسب تغير الزمان.
والمؤشر الآخر يتجه لفكرة ثبات القيم الأخلاقية, وهو دعواكم إخفاء النبي (ص) والأئمة (ع) حكم الاعتداد على الرجل, مراعاة للتدرج في بيان الأحكام, وعدم مواجهة العادات الجاهلية المترسخة, حتى يتسنى لقطار مشروع الإصلاح النبوي الانطلاق بلا تعثر وان لا يواجه بالرفض, بمعنى ان التفريق بين الجنسين في فرض العدة لم يكن عادلا في الماضي, كما لم يكن عادلا في الحاضر, فتكون النتيجة ثبات القيم الأخلاقية, إلا أن تقصدوا نسبية القيمة الأخلاقية بلحاظ العنوان الثانوي المتمثل في الحالة الاجتماعية والعرف السائد آنذاك.
أتمنى كما أظن ان يكون الخطأ مرتبطا بجانب فني أي ان الخلل كامن في ربط السؤال بالجواب وليس في تبني رؤية نسبية الأخلاق.
دفع الشبهة عن الإسلام
والجواب الصحيح عن أصل الشبهة هو أن تشريعات الإسلام وأطروحاته ليست صالحة لكل زمان ومكان فحسب, بل هي الأصلح لكل زمان ومكان, فمجرد صلاحيتها لإدارة شؤون الحياة البشرية لا يجعلها الأفضل ولا ينفي صلاحية غيرها فلا ضرورة لتطبيق الإسلام ما دام يوجد البديل المساوي أو الأفضل.
والأصلحية نستنتجها من علم وحكمة المشرع المرسل تبارك وتعالى فانطلاقا من حكمة التشريع وكون المشرع حكيما بصورة قياسية, وعليما بمستوى لا يقاس ولا يدانى, ندرك توفر علة تقف وراء التشريع جعلته الأفضل والأحسن, غير أننا نفقد وسائل إدراك تلك العلل, فلا نعرفها على وجه التحديد, ومن هذا المنطلق, لا ندري ما هي علة عدة الطلاق حتى نستبدلها بالفحص الطبي وغيره, فالسؤال يتضمن مغالطة بفرض معرفة العلة, فيجب رفض ما انطوى عليه السؤال من مغالطة, بدل انطوائه على المجيب أو قبوله له.
وهكذا لا نشخص علة عدة الوفاة بالاحترام حتى نتساءل عن المساواة, فعدة الوفاة وضعت على المرأة لتلبية حاجة تخصها, ولم توضع على الرجل لانتفاء تلك الحاجة عنه, أما ما هي هذه الحاجة, فلا ندركها ولو عرفنا مثل تلك الأمور لاستغنينا عن تشريعات الإسلام.
مثل هذا الجواب يجب ذكره حتى تندفع الشبهة عن الإسلام المتمثل رسميا بعلمائه ومذاهبه, ثم لسماحتكم ان تضيفوا جوابكم الخاص بكم الذي لا نناقشه في نفسه في هذه النقطة, لا كما فعلتم من التوافق الضمني مع العلمانيين في توجيه التهمة للإسلام وقبولها, مع محاولة تعديل الإسلام حتى يكون أقرب للمقبولية, ويتماشى مع روح العصر كما يقال.
والخلاصة ان الجواب باستبدال عدة الفراق بالفحص يقبل أصل التهمة, ولكن مع الاجتهاد في إصلاح الإسلام, والجواب بالمساواة في عدة الوفاة يقبل بالشبهة ولا يضع لها حلا حاسما, إذ يبقي الباب مفتوحا, وغني عن البيان خطورة قبول احتمال النقص والخلل في الإسلام ومدى مساسه بالعقيدة.
فهذا الطرح بدل ان يعمق الوعي الديني كما استهدفتم, عمق شبهات أعداء الإسلام ليقولوا لك مرحبا بناصرنا نقبل موافقتك لنا في توجيه التهمة والشبهة للإسلام باعتبار (شهد شاهد من أهلها) و (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) ومعالجتك لا نقبلها لأنها لا تمثل الإسلام رسميا ولا يقبلها علماء المذاهب.
أنا على يقين أنكم لا تقصدون هذا المعنى, وترفضون مثل تلك الشبهات ولكني أحاكم الكلمات, وليس قائلها هذه المشكلة نتيجة متحصلة من نفس الخطب المطبوعة والمنشورة.
فمقصودنا تنبيهكم للعبارات التي تعطي نتيجة غير مطلوبة, وتوصل لغرض مرفوض, حتى يتم إصلاح الطرح وتوضيح ما التبس فهم قصدكم فيه بسبب التعبيرات غير الموفقة.
ثم ان الآية الكريمة } يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ{ {الحجرات/13}
التي استدللتم بها على المساواة لا ربط لها لا من قريب ولا من بعيد بالمساواة في التشريع, ببساطة لان اختلاف التشريع بسبب اختلاف الحاجة لا يعني تفضيلا ولا تحقيرا للمشرع له أبدا, فالرسول الأكرم (ص) يختص بأحكام وتشريعات لا يشاركه غيره فيها كفرض صلاة الليل عليه, مع ان ذلك لا يدخل في خانة تفضيل سائر أفراد الأمة على النبي (ص) قطعا, وكجواز جمعه أكثر من أربع زوجات الذي لا يعني تحقيرا لباقي المسلمين بكل تأكيد, وهكذا فرض بعض التكاليف كالعدة على المرأة وحدها, لا يعني تفضيل الرجل عليها نهائيا, ولا تحقير المرأة قياسا للرجل أبدا, وإلا لماذا لا يساوي الإسلام بين الرجل والمرأة في حصص الميراث, وفي الشهادة, والقضاء, والمرجعية, والولاية, وفرض النفقة, ونحو ذلك فمثل هذه القضايا أولى بالمساواة –بحسب الاستحسان- من عدة الوفاة فما عساكم قائلين بشأنها.
فالتشريعات الإسلامية تتناغم مع معيار العدالة التي تعني إعطاء كل ذي حق حقه, وليست المساواة دائما تحقق هذا المعنى, وهكذا فعل الإسلام إذ شرع لكل ما يناسبه ويلبي حاجاته, والفوارق التكوينية بين الرجل والمرأة هي التي استدعت أحكاما مختلفة بين الرجل والمرأة في المساحة التي تتطلب ذلك, فمثلا وضع الصلاة والصوم عن المرأة أيام حيضها وأمرها بقضاء الصوم دون الصلاة ولم يفعل ذلك بالرجل لاختلاف التركيبة والوظائف الجسدية بينهما, وانتفاء موضوع الحيض عن الرجال نهائيا, وفرض النفقة على الزوج لزوجته ولم يفعل ذلك بالنسبة للمرأة وان كانت تعمل وتكسب المال, وهكذا قضايا كثيرة معروفة فرق بينهما بالتشريعات إكراما لكل منهما وإعطاء للدور المناسب للطرفين, وفي نفس الوقت ساوى بينهما في المساحة التي تتساوى فيها حاجاتهما. وليس بعيدا عن هذه الحقيقة ما يمارسه العقلاء ويشرعونه, فما يسمى بالتمييز الايجابي في تشريعات بعض البلدان إلا انعكاسا لتقديم تشريعات مختلفة لبعض الفئات كذوي الاحتياجات الخاصة, وتطبيقا لمبدأ عقلاني يدعو لسن قوانين تعطي بعض الامتيازات لبعض الشرائح تلبية لحاجاتهم الخاصة, أو لتأهيلهم للحاق بالتنمية البشرية, فالمساواة التامة تشكل ظلما لبعض الفئات, فمثلا ليس من المصلحة العامة حرمان فئة العاجزين والعاطلين عن العمل من الضمان الاجتماعي ومساواتهم بالعاملين والأغنياء فمثلا لو سن قانون (لكل عامل أجرة ولا مال بلا عمل) وطُبق لكان ظالما يجر المتاعب على المجتمع.
أما ما هي هذه الحاجات المتساوية أو المتفاوتة بالدقة في مجال التشريعات الدينية فهذا ما انسد عنا باب الاطلاع عليه تفصيلا, وعرفناه من نافذة التشريعات نفسها, فنحن نعرف - بالدليل الإني - اختلاف الحاجة من خلال اختلاف التشريع, فنعرف اختلاف حاجة المرأة عن حاجة الرجل في العدة بسبب اختلاف التشريع بينهما ولا نعرف - بالدليل اللّمي- المساواة في التشريع من خلال معرفة المساواة في الحاجة, فلا نستنتج المساواة في العدة من خلال معرفتنا بالمساواة في الحاجة, إذ العقل يدرك الحسن والقبح الواقعيين ولا يدرك المساواة في الحاجة فإدراك المصالح والمفاسد الواقعية بشكل كامل وواضح ممتنع على العقل النظري.
والخلاصة أن الاختلاف في حكم العدة بين الرجل والمرأة كاشف عن اختلاف الحاجة بينهما, ولا يتيسر لنا معرفة تساويهما في الحاجة حتى نستنتج تساويهما في حكم العدة.
الملاحظة الثانية: الإيحاء بقبول فكرة مسايرة الإسلام للعرف الجاهلي الخاطئ.
ذكرتم في الخطبة الأولى من صلاة الجمعة في عراد - مملكة البحرين - جامع الإمام علي (ع) 23/رجب /1427ﻫ - 18/8/2006م.
في مقام شرحكم لأسباب وعوامل زيادة ومضاعفة العدة إذ قلتم:
التفسير الرابع: إن الإسلام بالنسبة إلى موضوع التأكد من وجود الحمل أو عدم وجوده يكتفي بفترة العدة التي ثبّتها في الزواج المنقطع، يعني شهراً ونصف تقريبا، فشهرٌ ونصفٍ كافٍ للتأكد من وجود أو عدم وجود الحمل، ومضاعفة فترة العدة لا علاقة له بالتأكد من وجود الحمل أو عدم وجوده، وإنما المضاعفة ناتجةٌ من أن الإسلام وبشكلٍ عامٍ في كثيرٍ من تشريعاته وافق ما كان دارجاً في العرف الجاهلي، يعني أن الكثير من تشريعات الإسلام ليست تشريعات تأسيسية، بل هي تشريعاتٌ إمضائية، يعني أنه أمضى ما كان العرف الجاهلي جارياً عليه، فعندما نراجع المصادر العلمية في خصوص أعراف وسنن العرب الجاهلي نجد أن كثيراً من القضايا التي فرضها الإسلام نجد أنه إنما فرضها بما يطابق العرف الجاهلي، طبعاً هذه المسايرة لا تكون مسايرةً عبثية.
الخمس الثابت في الشريعة كان موجوداً قبل الإسلام في الجملة، إما بشكل الخمس أو بشكل الربع على خلاف، وقضية تعدد الزوجات التي سمح بها الإسلام كان جارياً في الجاهلية، يعني أن في العصر الجاهلي كان التعدد مسموحاً به, فكان للرجل الحق أن يتزوج بما شاء من النساء، ولو بأن يأخذ ألف زوجة، لكن الإسلام حدد الموضوع في أربع نساء، وفي العرف الجاهلي عدة الوفاة كانت سنة كاملة، فالمرأة كان عليها أن تعتد عدة الوفاة سنةً كاملة (وسائل الشيعة22/235,230), لكن الإسلام صحح هذا الموضوع وخفّف الفترة إلى أربعة أشهرٍ وعشرة أيام...., وهناك عدة روايات في هذا المجال. وفي الخطب القادمة سنتحدث عن مسألة عدة الوفاة، وسوف أتحدث عن هذا الموضوع إن شاء الله تعالى. والخلاصة في هذا التفسير: إنه ربما الإسلام ضاعف فترة العدة في الزواج الدائم بالقياس إلى الزواج المنقطع - وإن كانت مسألة التأكد من الحمل تنتهي في نصف هذه الفترة تقريباً - من باب مسايرة العرف الجاهلي، وهذه المسايرة قد تكون بأحد سببين:
1- إما من باب أن الذي جرى عليه العرف الجاهلي كان أمراً موافقاً للمصلحة, والإسلام وافق عليه لذلك، لأن الشيء الذي يطابق المصلحة لا داعي لمخالفته، وإذا كان ذلك عرفاً صحيحاً فلا بد من الموافقة عليه.
2- وإما أن تكون المسايرة من باب أن لا مصلحة فعلاً في المخالفة، وليس من باب أن هذا العرف الجاهلي عرفٌ صحيحٌ لكن باعتبار أنه لا بد من رعاية التدرّج في التشريع ولا بد من المسايرة، لأن الإسلام لم يكن ليهدم كل شيءٍ دفعة، لأنه لا يمكن لأيِّ مصلحٍ أن يتناقض مع ثوابت ومرتكزات المجتمع كلها بشكل فجائيٍ ودفعي، إذ قد يتسبب ذلك في ردة وتراجع الناس عن التعاطف مع المصلح والميل إليه، فلا بد وأن يتعامل معها بشكلٍ تدريجي, مما يقتضي مجاراة أعراف المجتمع إلى أن يتم التوفيق لإصلاحها شيئاً فشيئاً.
وربما كانت مضاعفة العدة في الزواج الدائم باعتبار أن العرف الجاهلي كان جارياً على طول فترة عدة المرأة بعد أن يطلقها الزواج، والإسلام أراد أن يجاري هذا العرف من باب أنه كانت هناك مصلحةً في هذه المداراة، وربما لما يظهر ولي العصر (أرواحنا فداه) يغيّر هذا الحكم لفقده لسببه وهو مجاراة العرف الجاهلي.
وقد جاء في بعض الأحاديث المنقولة: أن الكثير من الأحكام الشرعية الثابتة عندنا سيأتي صاحب الزمان (سلام الله عليه) بما يغايرها. (لاحظ بحار الأنوار 52/338/ الحديث82 – و354/ الحديث112 – و365/ الحديث142 – و366/ الحديث148,147 – و367/150).
يعني أن هناك دوراً لم يكتمل في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والنبي ربما لم يتمكن من أن يبدي جميع حقائق الأحكام الشرعية, باعتبار أن الظرف لم يكن مهيّئاً، وقوله تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) (المائدة/3) المذُكور في القرآن الكريم قد يراد به الإكمال بحسب الوضع القائم آنذاك، وبحسب ما يمكن تبليغه وتبديله إصلاحه آنذاك، وليس كل شيءٍ كان يمكن تبديله, لأنه قد يحتاج إلى ظرفٍ لم يوجد بعد.
الجواب عن التفسير الرابع: وهذا التفسير ايضاً لا يمكننا أن نقبل به, لأنه ينتقض بنفس النقوضات التي ذكرناها في التفاسير الثلاثة السابقة، إذ لو كان السبب وراء مضاعفة فترة العدة مجاراة العرف الجاهلي فلماذا لم يجارِ الإسلام العرف الجاهلي في الزوجة المطلّقة الصغيرة التي لم ترى الحيض بعد، ولماذا سمح لها بأن تتزوج فورا؟ وإذا كانت المسألة هي مسألة المجاراة فلماذا سمح للمرأة الدائمة التي طلّقها الرجل ولم يدخل عليها بأن تتزوج فوراً، ولم يوجب عليها العدة؟.. إلى آخر النقوض التي ذكرناها في هذه الخطبة والخطبة الماضية.
انتهى موضع الحاجة.
أقول: لم نجد ردا أو مناقشة لأصل فكرة مجاراة العرف الجاهلي الباطل في أحكامه, فمبدأ مجاراة الإسلام للعرف الجاهلي تم شرحه وتبريره, وترك بدون مناقشة ورد, وانحصرت المناقشة في جزئية العدة, فجوابكم اقتصر على عدم قبول المجاراة في هذا المورد الخاص, بدعوى أن الإسلام رفع العدة عن الصغيرة, واليائس, وغير المدخول بها, مما يعني معارضة الإسلام للعرف الجاهلي في هذه المواضع.
نعم قد تكون على حق في هذه الجزئية لاطلاعك على العرف الجاهلي, وانه يفرض العدة على غير المدخول بها, واليائس, والصغيرة, اما أنا فلست مطلعا على العرف الجاهلي, ولا أدري إن كان يفرض العدة في هذه الموارد أم لا, فلست متأكدا من مخالفة الإسلام للأعراف السابقة في هذه الموارد ولكني اعتقد ان الإسلام لا يهتم للأعراف الجاهلية وإنما المهم عنده بيان الحق وافق من وافق وخالف من خالف.
فالمهم في الملاحظة هو ان السكوت عن الجواب مع إلقاء الشبهة على عموم الناس خصوصا مع الإطالة في شرحها وتبريرها يخلق مشكلة, فان لم تكن القضية مقبولة فإما ان ترد, وإما ان يتجنب ذكرها من الأساس, فربما فهم من طرحكم قبول أصل فكرة مداراة الإسلام للعرف الجاهلي, ومجاراته ومسايرته له, برغم بطلان هذا العرف, وخطأه, وانتفاء المصلحة في نفس الفعل, خصوصا مع تلخيصكم في خطبة أخرى, وقبولكم لمثل هذا الاحتمال كعامل ثانوي لمضاعفة مدة العدة وإطالتها.
إذ قلتم:
التفسير الرابع: مجاراة العرف الجاهلي، حيث قلنا ربما جعل الإسلام فترة العدة في حالات الزواج الدائم أطول وضاعف الفترة بالقياس إلى فترة العدة في حالات الزواج المنقطع مجاراةً للعرف الجاهلي, باعتبار أن في العرف الجاهلي إذا طُلّقت المرأة من زوجها فإنه كان يُفرض عليها أن لا تتزوج من رجلٍ آخر لفترة طويلةٍ تقرب من فترة الثلاثة أشهر بل تزيد على ذلك، والإسلام أراد أن يجاري العرف الجاهلي.
وقد ذكرت في تلك الخطبة أن بعض أحكام الإسلام إنما أُقرّت من باب مجاراة العرف الجاهلي، وهذه المجاراة لم تكن بدون فلسفةٍ وحكمةٍ، وإنما كانت لبعض الحكم التي أشرت إليها في تلك الخطبة.
هذه تفاسير أربعة، ذكرناها لبيان سرّ الفرق بين فترة العدة في الزواج المنقطع والدائم، لكننا رفضناها هناك وبيّنا السبب في ذلك.
لكن الشيء الذي أريد أن أضيفه الآن هو أن رفض تلك التفسيرات الأربعة إنما كان على أساس أن تكون هذه العوامل الأربعة مجموعاً أو واحدةٍ منها - اي افتراض أن السبب للفرق بين العدتين هو ما جاء في التفسير الأول فقط, أو ما جاء في التفسير الثاني فقط... وهكذا إلى آخر التفاسير الأربعة – عوامل وأسباباً استقلالية. يعني ماذا أسباباً استقلالية؟
يعني أن يقال بأن الإسلام إنما طوّل من فترة العدة في حالات الزواج الدائم لسببين: السبب الأول: التأكد من الحمل.
السبب الثاني: واحدةٌ من التفاسير الأربعة المشار إليها، بمعنى أن التأكد من الحمل سببٌ مستقلٌ لفرض العدة، ومثلاً مجاراة العرف الجاهلي أيضاً سببٌ مستقلٌ آخر، بحيث إذا توفر السبب الأول فرض الإسلام العدة لمدة ثلاثة أشهر، وإذا توفر السبب الثاني فأيضاً يفرض الإسلام العدة لمدة ثلاثة أشهرٍ.
هذه الاستقلالية رفضناها، وقلنا: هناك حالاتٌ من الطلاق في الزواج الدائم لم يفرض الإسلام فيها عدَّةً أساساً ، كما إذا طلق الرجل زوجته من دون أن يكون قد دخل بها، أو كما إذا طلق زوجته التي لم تبلغ سن البلوغ يعني تسع سنين، أو كما إذا طلق زوجته اليائسة التي لا ترى العادة الشهرية، ففي هذه الحالات وبعض الحالات الأخرى لم يفرض الإسلام العدة أساساً، فلو كانت هذه التفاسير الأربعة أو بعضها صحيحة لكان من اللازم أن يفرض الإسلام العدة في هذه الحالات أيضاً, لكنه لم يفرض.
هذا فيما إذا فرضنا أن هذه العوامل الأربعة أو بعضها عوامل استقلالية، لكن يمكن أن تكون بعض هذه العوامل - يعني السبب الأول, أو الثاني, أو الثالث, أو الرابع - أسباباً واقعية لمضاعفة فترة العدة، ولكن ليس لتأسيس العدة, وذلك على غرار ما ذكرته في الخطبة الماضية بالنسبة إلى المرأة الحرة والمملوكة.
هذا توضيح أردنا أن نذكره, ومما ينتج من هذا التوضيح أن السبب وراء مضاعفة فترة العدة في الزواج الدائم بالقياس إلى حالات الزواج المنقطع قد يكون التفسير الأول، وقد يكون التفسير الثاني، وقد يكون التفسير الثالث، وقد يكون التفسير الرابع، لكن على أساس أن تكون أسباباً ثانوية وصالحة لمضاعفة فترة العدة وليس لتأسيس فترة العدة. هذا التوضيح متمّمٌ للبحوث السابقة. انتهى ()
منضما إلى دعواكم احتمال إخفاء النبي (ص) والأئمة (ع) لحكم عدة الوفاة على الرجل, الراجع جوهرا إلى نفس فكرة المجاراة والمداراة.
وسنبين لاحقا ان هذا الادعاء يؤول إلى دعوى ان النبي (ص) والقرآن لم يخفيا الحكم فحسب بل قدما حكما مخالفا للحكم الواقعي, والمصلحة الواقعية للأمة.
وكما تلاحظون قبول هذا الاحتمال يفتح باب النيران على المرسل والرسول والرسالة فلا تعود ثقة ولا اعتماد على أحكام الشريعة التي بلغها القرآن ونبي الإسلام وأئمة أهل البيت (ع) فهي تشريعات لا تنبع من مراعاة معيار العدالة, ولا تهتم بتصحيح أوضاع الأمة, والنهضة بالناس من الواقع الخاطئ لواقع صحيح وسليم, ليبقى هذا الجهل وذاك الانحراف يتجذر ويترسخ عبر القرون إلى يومنا هذا والى ما يعلم الله سبحانه, لا لشيء إلا مراعاة للشعور المرهف للتقاليد والأعراف الجاهلية, فلم يكن يرغب في خدش هذا الشعور وإيذائه, بزعم ان هذا طريق استكمال مسيرة الإصلاح الإسلامي, وهكذا يصلح الإسلام شيئا معوجا, ويترك شيئا آخر على علته واعوجاجه, ويعلن عن قبوله, ليعتقد المسلمون صوابيته وصحته, فتتلاقفه الأجيال وتبني عليه مدة تربو على ألف وأربعمائة سنة لحد الآن, فالأجيال اللاحقة تتبع السابقة ليكون دين الإسلام أكبر مساند للباطل, وأقوى معاضد للخطأ والاعوجاج, وأعظم مانع لفرص التصحيح, وأشد قاطع لطريق الإصلاح, فلا هو رحيم بالأمة يبين لها صلاحها, ولا يسمح بنزول الرحمة من الآخرين لإصلاح الأوضاع الفاسدة, فهو ناصر للجاهلية ومن اكبر دعاة الجمود على القديم ويمثل حجر عثرة في طريق إصلاح العادات الجاهلية المتخلفة والمنحرفة, هذا كله من جهة, ومن جهة أخرى لا وثوق في جدية التكاليف, ولا يقين بأنها مطلوبة من المولى عز وجل, فتجري البراءة بشأنها لعدم العلم بفعلية التكليف, إذ لا علم بان المولى جاد في طلبها, وان تشريعات الإسلام أو جملة منها ليست نابعة من مصالح واقعية, وإنما مرتبطة بعادات وتقاليد جاراها الإسلام, وبالتالي لا تصلح لزماننا لانتهاء أسباب ودوافع إقرارها والتي تتلخص في مداهنة الجاهلية ومسايرتها.
وفي هذا نصرة وتأييد لشبهات الملحدين واللادينيين الذين ما فتئوا يتربصون بالإسلام الدوائر ويتهمون تشريعاته بالنقصان ومتابعة الأعراف الجاهلية والتقاليد البالية, وانه ليس للإسلام سوى تعديل طفيف على الأعراف الجاهلية أو زيادة هنا ونقصان هناك وان ما جاء به رسول الله (ص) ليس من عند الله, وإنما مجرد تقاليد ورثها من مجتمعه مع إجراء بعض الرتوش عليها, ويكفي في إبطال ذلك وضوح بطلان ما يترتب عليها من اللوازم الفاسدة التي بينا جملة منها مضافا إلى وضوح ظهور جدية البيانات المعصومية. مع وضوح ان كثيرا من العادات والأعراف كانت مستقاة من الأنبياء والديانات السابقة للإسلام نعوذ بالله من الخطل ونسأله العصمة من الخطأ والزلل.
سماحة الشيخ لا تقصدون هذا المعنى ولا توافقون طعن الإسلام, ولكن هذه النتيجة ليست تحميلا للكلام أكثر مما يحتمل, فهي مدلول كلماتكم ومفاد عباراتكم, فلست أحاكم النوايا وإنما الكلمات والعبارات, فتمنياتنا الإسراع بالتدارك.
الملاحظة الثالثة: بطلان منهج قياس العلة المستنبطة.
سلكتم منهج تتبع بعض الجزئيات للوصول لعلة الحكم المنحصرة والقياس عليها لاستنتاج الحكم في حالات جديدة وهذا بطلانه يعد من أوضح بديهيات منهج الاستنباط في فقه وأصول فقه الإمامية, إذ من الضروريات والأساسيات عند الشيعة الإمامية عدم معرفتنا بعلل الأحكام رغم معرفتنا بوجودها استنادا لحكمة المشرع, لكن لا يتاح لنا استنتاجها بعقولنا وبمعزل عن توضيح الشريعة ولا بأسلوب دراسة بعض الجزئيات الذي يكون استنباطا للعلة بطريق ظني على أفضل التقادير, وإنما الطريق المعتمد عندنا معاشر الإمامية إتباع النص كتابا وسنة. والحاصل ان جنابكم اعتمد القياس والاستحسان كمنهج في الاستنباط رغم بداهة فساد هذا المنهج, وان تعجب فعجب ان لا يستنتج من يأخذ بمنهج القياس الاستنباطي استبدال العدة بالفحص الطبي المؤكد لخلو المرأة من الحمل, وان يستنتج هذه النتيجة من يفترض فيه ان لا يؤمن بمثل هذه المباني.
ولعل السر في ذلك فهمهم تعليل الآية في إطار بيان الحكمة وليس علة للحكم, أو لاشتراط مجوزي القياس عدم مصادمته للنص وان يبقى الحكم في الأصل بعد التعليل على ما كان قبله كما يذكر في كتب أصول فقه القوم أو لمعارضته مع تعليل القرآن فللتصادم مع نص القرآن أو لتعليله أو لانتفاء الحكم في الأصل عمليا أو لكل ذلك لم نسمع بمن يقبلون بمبدأ القياس القبول بمثل هذه النتيجة وإسقاط عدة الطلاق بالفحص الطبي أو العازل أو اللولب أو غيرها من وسائل منع الحمل.
فلم نعرف حقيقة مبناكم في القياس هل ترون بطلانه ولكم توجيه في البناء أم تقبلون بمبنى القياس؟.
وليست روايات أهل البيت (ع) وكلمات الأعلام عن القياس بعيدة عنكم, أعوذكم بالله ان تكونوا ممن أشار لهم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في رواية الكليني في الكافي نصا:
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ رَفَعَهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه السلام ) أَنَّهُ قَالَ إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَرَجُلَيْنِ رَجُلٌ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ مَشْعُوفٌ بِكَلَامِ بِدْعَةٍ قَدْ لَهِجَ بِالصَّوْمِ وَ الصَّلَاةِ فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مُضِلٌّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَ بَعْدَ مَوْتِهِ حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ وَ رَجُلٌ قَمَشَ جَهْلًا فِي جُهَّالِ النَّاسِ عَانٍ بِأَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَ لَمْ يَغْنَ فِيهِ يَوْماً سَالِماً بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ آجِنٍ وَ اكْتَنَزَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ وَ إِنْ خَالَفَ قَاضِياً سَبَقَهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ كَفِعْلِهِ بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ وَ إِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ الْمُعْضِلَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً مِنْ رَأْيِهِ ثُمَّ قَطَعَ بِهِ فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ غَزْلِ الْعَنْكَبُوتِ لَا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ لَا يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَ وَ لَا يَرَى أَنَّ وَرَاءَ مَا بَلَغَ فِيهِ مَذْهَباً إِنْ قَاسَ شَيْئاً بِشَيْءٍ لَمْ يُكَذِّبْ نَظَرَهُ وَ إِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ لِكَيْلَا يُقَالَ لَهُ لَا يَعْلَمُ ثُمَّ جَسَرَ فَقَضَى فَهُوَ مِفْتَاحُ عَشَوَاتٍ رَكَّابُ شُبُهَاتٍ خَبَّاطُ جَهَالَاتٍ لَا يَعْتَذِرُ مِمَّا لَا يَعْلَمُ فَيَسْلَمَ وَ لَا يَعَضُّ فِي الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ فَيَغْنَمَ يَذْرِي الرِّوَايَاتِ ذَرْوَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ تَبْكِي مِنْهُ الْمَوَارِيثُ وَ تَصْرُخُ مِنْهُ الدِّمَاءُ يُسْتَحَلُّ بِقَضَائِهِ الْفَرْجُ الْحَرَامُ وَ يُحَرَّمُ بِقَضَائِهِ الْفَرْجُ الْحَلَالُ لَا مَلِيءٌ بِإِصْدَارِ مَا عَلَيْهِ وَرَدَ وَ لَا هُوَ أَهْلٌ لِمَا مِنْهُ فَرَطَ مِنِ ادِّعَائِهِ عِلْمَ الْحَقِّ ..()
قال الغزالي في كتابه المستصفى: الِاجْتِهَادُ الثَّالِثُ فِي تَخْرِيجِ مَنَاطِ الْحُكْمِ، وَاسْتِنْبَاطِهِ: مِثَالُهُ أَنْ يَحْكُمَ بِتَحْرِيمٍ فِي مَحَلٍّ، وَلَا يَذْكُرَ إلَّا الْحُكْمَ، وَالْمَحَلَّ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِمَنَاطِ الْحُكْمِ، وَعِلَّتِهِ، كَتَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَالرِّبَا فِي الْبُرِّ، فَنَحْنُ نَسْتَنْبِطُ الْمَنَاطَ بِالرَّأْيِ، وَالنَّظَرِ، فَنَقُولُ: حَرَّمَهُ لِكَوْنِهِ مُسْكِرًا، وَهُوَ الْعِلَّةُ، وَنَقِيسُ عَلَيْهِ النَّبِيذَ، وَحَرَّمَ الرِّبَا فِي الْبُرِّ لِكَوْنِهِ مَطْعُومًا، وَنَقِيسُ عَلَيْهِ الْأُرْزَ، وَالزَّبِيبَ ، وَيُوجِبُ الْعُشْرَ فِي الْبُرِّ، فَنَقُولُ: أَوْجَبَهُ لِكَوْنِهِ قُوتًا، فَنُلْحِقُ بِهِ الْأَقْوَاتَ، وَلِكَوْنِهِ نَبَاتَ الْأَرْضِ، وَفَائِدَتَهَا، فَنُلْحِقُ بِهِ الْخَضْرَاوَاتِ، وَأَنْوَاعَ النَّبَاتِ.
فَهَذَا هُوَ الِاجْتِهَادُ الْقِيَاسِيُّ الَّذِي عَظُمَ الْخِلَافُ فِيهِ، أَنْكَرَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَطَائِفَةٌ مِنْ مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ، وَجَمِيعُ الشِّيعَةِ...) ().
وقال الشيخ المفيد: فأما القياس والرأي: فإنهما عندنا في الشريعة ساقطان لا يثمران علما، ولا يخصان عاما، ولا يعممان خاصا، ولا يدلان على حقيقة.()
وقال الشيخ الصدوق: ان موسى عليه السلام مع كمال عقله وفضله ومحله من الله تعالى ذكره، لم يستدرك باستنباطه واستدلاله معنى أفعال الخضر " ع " حتى اشتبه عليه وجه الأمر فيه وسخط جميع ما كان يشاهده حتى أخبر بتأويله فرضي، ولو لم يخبر بتأويله لما أدركه ولو فنى في الفكر عمره فإذا لم يجز لأنبياء الله ورسله صلوات الله عليهم، القياس والاستنباط والاستخراج، كان من دونهم من الأمم أولى بان لا يجوز لهم ذلك.()
وقال العلامة الحلي: أنه (القياس) ليس بحجة " اختلف الناس في ذلك، والذي نذهب إليه أنه ليس بحجة، لوجوه: أحدها: قوله تعالى: " لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ " {الحجرات/1}. . " وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ {البقرة/169}. . " إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا {يونس/36}. . " وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ "{المائدة/49} الثاني : قوله عليه السلام : " وتعمل هذه الأمة برهة بالكتاب ، وبرهة بالسنة ، وبرهة بالقياس . فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا وأضلوا ". . وقوله عليه السلام: " ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمهم فتنة قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون الحرام ". الثالث: إجماع الصحابة عليه. روي عن علي عليه السلام أنه قال: " من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم، فليقل في الجد برأيه "، وقال: " لو كان الدين بالرأي، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره ". وقال أبو بكر: " أي سماء يظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي ". وقال عمر: " إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا ". ولم يزل أهل البيت عليهم السلام ، ينكرون العمل بالقياس ، ويذمون العامل به ، وإجماع العترة حجة . الرابع : إن العمل بالقياس ، يستلزم الاختلاف ، لاستناده إلى الامارات المختلفة ، والاختلاف منهي عنه. الخامس: مبنى شرعنا، على تساوي المختلفات في الأحكام، واختلاف المتماثلات فيها، وذلك يمنع من القياس قطعا.()
الملاحظة الرابعة: التأكد من الخلو من الحمل ليس علة وحيدة منحصرة للعدة.
جزمتم بان العلة الوحيدة لعدة الطلاق وانتهاء مدة المتمتع بها منحصرة بالتأكد من خلو المرأة من الحمل, لعلمكم ان تمامية دعواكم تتوقف على كون العلة وحيدة منحصرة لا يوجد لها بديل فمن استطاع ان يؤكد ان الشمس مصدر للطاقة لا يستطيع ان يؤكد انها مصدر وحيد للطاقة لا بديل له فالاطلاع على مصدرية الشمس للطاقة لا ينفي وجود مصدر آخر للطاقة كالنفط والغاز والرياح وغيرها.
فقد أكدتم مرارا وتكرارا على انحصار علة العدة في استكشاف الحمل المحتمل وان العدة مجرد طريق لهذا الاستكشاف ولا موضوعية لنفس العدة وأفتيتم بناء على ذلك بسقوط العدة كلما انتفى احتمال الحمل في أكثر من موضع وعلى سبيل المثال صرحتم بقولكم:
التوضيح الأول: الإحتمال الآخر في العدة طرحٌ علميٌ فقط إن هذا المعنى الذي أشرنا إليه في الخطب الماضية من أن مع تقدم العلم وتمكنه من فحص المرأة وتبين أنها ليست بحاملةٍ يجوز للمرأة أن تتزوج فوراً من رجلٍ آخر، إذا تبين أنها ليست بحاملة. هذا الرأي الفقهي ليس الا طرحاً لاحتمالٍ علميٍ فقط، وليس المقصود بالطرح أن يأتي شخصٌ ويعمل بهذا الرأي، فذاك موضوعٌ آخر، نحن نطرح في هذه الخطب قضايا علميةً نريد أن نعمّق من خلالها من وعي الإخوة والأخوات في خصوص هذه القضايا الإسلامية التي يجب أن يمتلك الإنسان المسلم فيها رصيداً جيداً من الوعي.()
أقول: هب ان الله سبحانه وفقك للاطلاع على علة العدة وأنها علة تامة فهل يا ترى أطلعك على انحصارها بمعنى انتفاء علة أخرى بديلة تدفع لفرض العدة في بعض الحالات الأخرى؟
ربما ليس من حقي ان أسئل هذا السؤال لتأكيدكم على الانحصار ولكن يشرع لنا محاولة إزاحة قطعكم بالتأكيد على نفي العلية التامة المنحصرة فنحن بحمد الله نقطع بعدم الحصر مستندين على أدلة نكتفي بذكر أربعة منها:-
الدليل الأول:- الخلو من الحمل تم التحقق منه قبل الطلاق حيث يشترط في الطلاق ان تكون في طهر لم يواقعها الزوج فيه, باستثناء الحامل, وهذا معناه أنها مرت بحيضة وتأكد انها ليست بحامل من خلال استبراء رحمها من ماء زوجها بالحيض السابق للطلاق, ولم يتعقبه مقاربة جنسية حتى يحتمل حملها, فلو كان احتمال الحمل هو العلة لما كان مبرر للعدة في الطلاق واقتصر الأمر على المتعة حيث فراقها لا يشترط فيه ان تكون في طهر عدم المواقعة.
فالأمة المشتراة يكفي استبراؤها بحيضة, وكذا المسبية يكفي استبراء رحمها بحيضة واحدة.
هذا بناء على ان الحيض لا يجتمع مع الحمل, وبناء على الاجتماع يكون الحيض دليلا ظنيا على انتفاء الحمل كما سيأتي توضيحه لاحقا.
ومن هنا يتضح ان ما يمر على المطلقة حوالي أربع حيضات قبل ان تتزوج بالثاني في حين ان فراق المتمتع بها بانتهاء المدة قد يكون في الطهر الذي جامعها فيه فتكون المدة حيضتين.
الدليل الثاني:- قضية اليقين بخلو المطلقة من الحمل لها نظائر ووسائل قديمة, وان كانت مواردها قليلة, إلا ان الإسلام لم يلغ العدة عن هذه الحالات, مثل من ارتد زوجها عن الإسلام وكان فطريا فان زوجته تفارقه وتعتد وان لم يدخل بها, ومثل طليقة الغائب المعلوم خلوها من الحمل, ويؤكده كثرة الحديث عن طلاق الغائب نتيجة كثرة الابتلاء به, ومثل طليقة المفقود التي يطلقها الحاكم بعد مهلة تمتد لأربع سنوات, ومثل طليقة العنين الذي وطئها مرة واحدة, أو طرأ العنن عليه, فطلقها بعد شهور أو سنين من عدم المعاشرة الجنسية, ومثل الموطوءة دبرا فقط, ومثل اليائس من الحمل لانقطاع الطمث عنها مبكرا قبل بلوغها خمسين أو ستين سنة, ومثل طليقة من ترك زوجها مقاربتها قبل الطلاق بمدة طويلة, وهذا يحدث كثيرا فالطلاق يحدث في حالات كثيرة بعد تراكم المشاكل, وهجر احدهما للآخر, خصوصا في الخلع إذ تسبق كراهة الزوجة زوجها فيبتعدان عن بعضهما غالبا أو في الكثير من الحالات ويأتي في هذا السياق ما رواه النسائي عن امرأة تسمى رُبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي ثُمَّ جِئْتُ عُثْمَانَ فَسَأَلْتُهُ مَاذَا عَلَيَّ مِنْ الْعِدَّةِ فَقَالَ لَا عِدَّةَ عَلَيْكِ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِهِ فَتَمْكُثِي حَتَّى تَحِيضِي حَيْضَةً ().
أقول: ومع ذلك لا تسقط العدة عند الفقهاء بل اختلفوا في مقدار العدة والأكثر على أنها عدة الطلاق فقد قال ابن كثير في تفسيره: مسألة: وذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد وإسحاق في رواية عنهما، وهي المشهورة؛ إلى أن المختلعة عدتها عدة المطلقة بثلاثة قروء، إن كانت ممن تحيض. وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر. وبه يقول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة، وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض، وجُلاس بن عمرو، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو عبيد. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق، فتعتد كسائر المطلقات.()
الدليل الثالث:- لو كان المانع من زواج المطلقة مثلا هو اختلاط المياه واشتباه الأنساب فقط, وليس لعامل آخر أي دور, لا بنحو التكميل ولا بنحو البدلية لما كان هناك مبرر لمنع الزواج بشكل تام حتى انتهاء العدة, فبالإمكان حفظ هذا الغرض بمنع الدخول مع جواز عقد النكاح حتى تنتهي العدة فيقاربها ويدخل بها, كما هو الحال في الصغيرة حيث يجوز العقد عليها ولا يجوز الدخول بها إلى أن تبلغ, ومثلها الأمة الحامل من غير سيدها يجوز له أن يستمتع بها من غير دخول حتى تضع حملها, أو يمر على حملها أربعة أشهر وعشرة أيام على الخلاف, ثم له ان يقاربها ويدخل بها, فمنع مثل المطلقة من أصل عقد النكاح ولو بدون رؤية احدهما الآخر لدليل على وجود مانع آخر, ودافع إضافي لفرض العدة, وليس استعلام الحمل غرضا وحيدا.
الدليل الرابع الروايات نذكر منها:-
1- صحيحة بريد بن معاوية التي رواها في الوسائل عن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنِ الْمَفْقُودِ كَيْفَ تَصْنَعُ امْرَأَتُهُ فَقَالَ مَا سَكَتَتْ عَنْهُ وَ صَبَرَتْ فَخَلِّ عَنْهَا وَ إِنْ هِيَ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْوَالِي أَجَّلَهَا أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ يَكْتُبُ إِلَى الصُّقْعِ الَّذِي فُقِدَ فِيهِ فَلْيُسْأَلْ عَنْهُ فَإِنْ خُبِّرَ عَنْهُ بِحَيَاةٍ صَبَرَتْ وَ إِنْ لَمْ يُخْبَرْ عَنْهُ بِحَيَاةٍ حَتَّى تَمْضِيَ الْأَرْبَعُ سِنِينَ دَعَا وَلِيَّ الزَّوْجِ الْمَفْقُودِ فَقِيلَ لَهُ هَلْ لِلْمَفْقُودِ مَالٌ فَإِنْ كَانَ لِلْمَفْقُودِ مَالٌ أَنْفَقَ عَلَيْهَا حَتَّى يُعْلَمَ حَيَاتُهُ مِنْ مَوْتِهِ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قِيلَ لِلْوَلِيِّ أَنْفِقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَعَلَ فَلَا سَبِيلَ لَهَا إِلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا وَ إِنْ أَبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا أَجْبَرَهُ الْوَالِي عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ تَطْلِيقَةً فِي اسْتِقْبَالِ الْعِدَّةِ وَ هِيَ طَاهِرٌ فَيَصِيرُ طَلَاقُ الْوَلِيِّ طَلَاقَ الزَّوْجِ فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ يَوْمَ طَلَّقَهَا الْوَلِيُّ فَبَدَا لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَ هِيَ عِنْدَهُ عَلَى تَطْلِيقَتَيْنِ وَ إِنِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ وَ يُرَاجِعَ فَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ وَ لَا سَبِيلَ لِلْأَوَّلِ عَلَيْهَا.()
ما أصرح وأوضح هذه الصحيحة في لزوم العدة بعد الطلاق الواقع بعد أربع سنوات أو أكثر من فقد الزوج التي يعلم بوضوح انتفاء الحمل عنها, فدلالتها قاطعة على ان التأكد من الخلو من الحمل ليس علة العدة الوحيدة.
ويزيد الأمر وضوحا ان هذه الرواية يستفاد من إطلاقها المقامي ان العدة ثلاثة قروء, ولكن إطلاقها مقيد بموثقة سماعة -وان كان فيها إضمار- التي رواها في الوسائل عن محمد بن الحسن بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ زُرْعَةَ عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَفْقُودِ فَقَالَ: إِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ فِي أَرْضٍ فَهِيَ مُنْتَظِرَةٌ لَهُ أَبَداً حَتَّى يَأْتِيَهَا مَوْتُهُ أَوْ يَأْتِيَهَا طَلَاقٌ وَ إِنْ لَمْ تَعْلَمْ أَيْنَ هُوَ مِنَ الْأَرْضِ وَ لَمْ يَأْتِهَا مِنْهُ كِتَابٌ وَ لَا خَبَرٌ فَإِنَّهَا تَأْتِي الْإِمَامَ (ع) فَيَأْمُرُهَا أَنْ تَنْتَظِرَ أَرْبَعَ سِنِينَ فَيُطْلَبُ فِي الْأَرْضِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ خَبَرٌ حَتَّى تَمْضِيَ الْأَرْبَعُ سِنِينَ أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً ثُمَّ تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ فَإِنْ قَدِمَ زَوْجُهَا بَعْدَ مَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ وَ إِنْ قَدِمَ وَ هِيَ فِي عِدَّتِهَا أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً فَهُوَ أَمْلَكُ بِرَجْعَتِهَا.()
فهي تدل على أن العدة هنا أربعة أشهر وعشرة أيام, وقد دلت كلتا الروايتين على حق الزوج في الرجوع لها ان عاد وهي في العدة, وان عاد بعد العدة فلا سبيل له عليها. فالمتحصل ان عدتها عدة طلاق وأنها أربعة أشهر وعشرة أيام ولا حداد عليها في العدة, مما يؤكد على جانب التعبدية في العدة.
إن قلت: العدة هنا عدة وفاة حكما فرضت احتياطا لاحتمال وفاته, فلا تصلح للنقض.
قلت: الأمر ليس كذلك إذ للزوج بعد عودته إن يراجعها وان كانت في الشهر الرابع بل وان كانت في الأيام العشرة الأخيرة, فتبقى مدة العدة على طولها وان تحقق انه على قيد الحياة, فقد عُلِمَتْ حياته وانقضت ثلاثة أقراء, فلا معنى لبقاء العدة لو كانت عدة وفاة, بعد عودته للعلم ببقاء حياته, ولو كانت العدة عدة وفاة احتياطا لتقلصت العدة بعد عودته إلى ثلاثة أقراء, وسقط حقه في العودة إليها بعد ثلاثة قروء, فبقاء العدة بنفس المدة وان عاد في نفس يوم الطلاق ليبقى له خيار العودة لها طوال مدة الأربعة أشهر وعشر لدليل على أنها ليست عدة وفاة بل عدة طلاق فقول الإمام (ع): (وهي عنده على تطليقتين) صريح في أن العدة عدة طلاق. اقرأ معي عبارة الإمام (ع) ثانية: (فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ يَوْمَ طَلَّقَهَا الْوَلِيُّ فَبَدَا لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَ هِيَ عِنْدَهُ عَلَى تَطْلِيقَتَيْنِ وَ إِنِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ وَ يُرَاجِعَ..)
ألا تلاحظ معي أن خيار المراجعة مفتوح للزوج مع رجوعه من يوم وقوع الطلاق حتى انتهاء مدة العدة, الأمر الذي لا يدع مجالا للشك في أن العدة متمحضة في عدة الطلاق, غير أنها ذات مدة أطول تعبدا بمعتبرة سماعة ولو لاها لكانت المدة ثلاثة أقراء فقط كسائر عدد الطلاق للحرائر. ولا غرو ان تكون العدة بمدة عدة الوفاة رغم حياة الزوج فالمرتد عن فطرة تعتد زوجته عدة وفاة وان كان حيا لم يقم عليه حد الردة.
وان أصررت على أنها عدة وفاة تعبدا فهذا ما يضرب رأيكم في أن العلة في عدة الوفاة ليست تعبدية وإنما هي احترام الزوج فحسب إذ كيف تكون العدة تعبدية ومع ذلك لاحترام الزوج؟ ثم انه يكفي في احترامه مضي أربع سنوات على فراقه بلا زواج من شخص آخر, ثم لماذا حدد الاحترام بأربعة أشهر وعشرة أيام؟
2- صحيحة محمد بن مسلم التي رواها في الوسائل عن مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا (ع) قَالَ سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَ هُوَ غَائِبٌ قَالَ يَجُوزُ طَلَاقُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَ تَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ مِنْ يَوْمَ طَلَّقَهَا.()
فهذه الصحيحة واضحة المقالة, ساطعة الدلالة, في لزوم العدة, وان بدايتها من يوم الطلاق, وليس من البعد والغيبة, وان كان غائبا من شهور أو سنين بحيث يعلم عدم حملها.
فالإمام (ع) تبرع ببيان حكم العدة بدون سؤال فينعقد لها إطلاق يشمل طليقة الغائب غيبة طويلة.
3- صحيحة محمد بن مسلم التي رواها في الوسائل عن مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ (مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ) عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ (ع): إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ وَ هُوَ غَائِبٌ فَلْيُشْهِدْ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا مَضَى ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا.()
وهذه الصحيحة أيضا تؤكد على بداية العدة, وأنها من تاريخ الطلاق, وليس لمدة الغيبة اعتبار مهما طالت فهي تشمل الغائب مدة طويلة كالسنة والسنوات, والبيان فيها متجه أساسا لبيان حكم العدة وليس صحة طلاق الغائب, فلا ريب في انعقاد الإطلاق فيها ليشمل طليقة الغائب من سنوات.
4- صحيحة الحلبي التي رواها في الوسائل محمد بن يعقوب عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَ هُوَ غَائِبٌ عَنْهَا مِنْ أَيِّ يَوْمٍ تَعْتَدُّ فَقَالَ إِنْ قَامَتْ لَهَا بَيِّنَةُ عَدْلٍ أَنَّهَا طُلِّقَتْ فِي يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَ تَيَقَّنَتْ فَلْتَعْتَدَّ مِنْ يَوْمَ طُلِّقَتْ وَ إِنْ لَمْ تَحْفَظْ فِي أَيِّ يَوْمٍ وَ فِي أَيِّ شَهْرٍ فَلْتَعْتَدَّ مِنْ يَوْمِ يَبْلُغُهَا.()
وهذه كسابقتيها في التأكيد على العدة وانها تبدأ من حين وقوع الطلاق وتضيف لزوم الاحتياط اذا لم تعلم تاريخ الطلاق مما يزيد الأمر وضوحا في عدم ارتباطه باحتمال الحمل.
5- صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج التي رواها في الوسائل عن مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ (ع) عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً سِرّاً مِنْ أَهْلِهَا وَ هِيَ فِي مَنْزِلِ أَهْلِهَا وَ قَدْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَ لَيْسَ يَصِلُ إِلَيْهَا فَيَعْلَمَ طَمْثَهَا إِذَا طَمِثَتْ وَ لَا يَعْلَمُ بِطُهْرِهَا إِذَا طَهُرَتْ قَالَ فَقَالَ هَذَا مِثْلُ الْغَائِبِ عَنْ أَهْلِهِ يُطَلِّقُ بِالْأَهِلَّةِ وَ الشُّهُورِ قُلْتُ: أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ يَصِلُ إِلَيْهَا الْأَحْيَانَ وَ الْأَحْيَانَ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا فَيَعْلَمَ حَالَهَا كَيْفَ يُطَلِّقُهَا قَالَ إِذَا مَضَى لَهُ شَهْرٌ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا فِيهِ يُطَلِّقُهَا إِذَا نَظَرَ إِلَى غُرَّةِ الشَّهْرِ الْآخَرِ بِشُهُودٍ وَ يَكْتُبُ الشَّهْرَ الَّذِي يُطَلِّقُهَا فِيهِ وَ يُشْهِدُ عَلَى طَلَاقِهَا رَجُلَيْنِ فَإِذَا مَضَى ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَ هُوَ خَاطِبٌ مِنَ الْخُطَّابِ وَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا فِي تِلْكَ الثَّلَاثَةِ الْأَشْهُرِ الَّتِي تَعْتَدُّ فِيهَا.()
وهذه الصحيحة تثبت المطلوب أيضا, إذ حدث الطلاق بعد مرور شهر من الابتعاد عنها حسب الفرض, ومع ذلك ألزم الإمام (ع) الاعتداد بثلاثة أشهر, اعتبارا من تاريخ الطلاق, فلو كان موضوع الحمل هو العلة لوجب تقليص المدة ولما صح جعل ابتداء العدة من تاريخ الطلاق دون اعتبار لفترة الابتعاد والغيبة.
فلا يحتمل بعد كل ما سمعت ان يكون الاستبراء من الحمل الغرض الوحيد والعلة الفريدة للعدة فضلا عن اليقين بذلك.
ولو سلمنا ان علة العدة استكشاف حبلها لا نسلم انها علة تامة وعلة وحيدة منحصرة فما هو المانع من ان تكون هناك علة أخرى بديلة توجب فرض العدة في بعض حالات ارتفاع الحمل كما في عدة من ارتد زوجها عن فطرة ولم تكن مدخولا بها, وكما في طليقة الغائب أو المفقود زوجها ونحو ذلك ما الذي كشف لكم فقدان العلة البديلة؟.
نعم لا ننكر ان يكون التأكد من خلو الرحم من الحمل حكمة لتشريع العدة, أو أحد حِكَمِ التشريع حتى لا تختلط الأنساب.
قال تعالى: }وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ { {البقرة/228}
والحكمة كما تعلمون لا تتوفر في كل حالات فرض العدة, ويمكن تأكيد دافع الحكمة من خلال الروايات الدالة على اجتماع الحمل مع الحيض كما يلاحظ من الباب الثلاثين من أبواب الحيض من كتاب وسائل الشيعة, منضما إلى أدلة فرض العدة.
حيث ان ثلاثة الاقراء وطول مدة العدة يتحقق معه حال الحمل غالبا, دون مجرد الحيضة الواحدة التي توفر الظن بانتفاء الحمل.
ويقال ان نسبة حدوث الحيض أثناء الحمل حالة واحدة إلى ألف, أو مئة حالة إلى مئة ألف حالة حمل, ويسمى بالحمل الغزلاني باعتبار ان الغزالة تنزل منها بعض قطرات الدم أثناء حملها.
ودم الحيض المصاحب للحمل الغزلاني يكون قليلا مقارنة بدم الدورة الشهرية قبل الحمل ويحدث في 70% من حالات الحمل الغزلاني, وفي 30% من الحالات تكون كمية الدم مطابقة تماما لكمية دم الدورة الشهرية قبل الحمل, وتأتي في موعد الدورة الشهرية تماما وتستمر لمدة تسعة أشهر.
والخلاصة ان مرور ثلاثة قروء يوفر ظنا عاليا بحال المرأة من الحمل وعدمه, ومرور حيضة واحدة يوفر ظنا بمستوى اقل من سابقه.
الملاحظة الخامسة:
الهدف الطريقي والهدف النهائي, ومعنى قوله تعالى: (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)
ادعيتم ان تعليل العدة في القرآن, إنما هو مجرد آلة للوصول للهدف الرئيسي المتمثل في استعلام حال المطلقة من حيث الحمل وعدمه, هذا خلاصة رأيكم حول الآية الكريمة, وهي قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا {{الطلاق/1}
غير انه من الواضح ان التعليل بِ } لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا { الذي هو كناية عن إعطاء فرصة الرجوع للزوجية تعليل للتشريع والمسمى في كلمات الفقهاء والأصوليين بحكمة التشريع فالعلة المنصوصة تارة تكون علة للحكم أو مقارنة لعلة الحكم في الوجود فيدور الحكم مدارها وجودا وعدما نظير (الخمر حرام لأنها مسكرة أو للاسكار) وأخرى مجرد حكمة للتشريع بمعنى مناسبة انطلاق التشريع وبيان بعض فوائد التشريع التي لا تكون ثابتة في كل الحالات والموارد ولا يدور الحكم مدارها وجودا وعدما, نظير تعليل غسل الجمعة برفع أرياح الآباط, والقصر في السّفر تخفيفا عن المشقة والتعب, فالتعليل بإعطاء فرصة للتصالح بين الزوجين من هذا القبيل, والقرينة على ذلك الروايات المثبتة للعدة في حال ارتفاع احتمال العودة للزوجية, وفي حال الطلاق البائن بالنسبة للمدخول بها, ولذلك لم يفت احد بانتفاء العدة في مثل تلك الحالات. وهذا هو الفهم الصحيح لتعليل الآية الكريمة وليس اعتباره علة والتفصي عن ذلك باعتباره علة لعلة أخرى هي التأكد من الخلو من الحمل حيث قلتم في:-
الخطبة الأولى من صلاة الجمعة في عراد - مملكة البحرين - جامع الإمام علي(ع) 28/شعبان /1427ﻫ - 22/9/2006م:
يجب أن نلتفت إلى أن هناك هدفاً وأن هناك بواعث نحو الهدف، الهدف وجود فترة هدوء، لكن ما هي البواعث نحو هذا الهدف، يعني ما هي الأمور التي دفعت الإسلام والمشرّع إلى أن يستهدف هذا الهدف, ومن خلال استهداف هذا الهدف شرّع وفرض العدة على المرأة؟
أقول: الباعث نحو هذا الهدف ونحو استهداف المشرِّع لهذا الهدف هو التأكد من وجود الحمل أو عدم وجوده، يعني ماذا؟
يعني بما أن المرأة المطلقة من المحتمل أن تكون حاملاً، لذا فرض الإسلام العدة، ولِمَ فرض العدة؟
حتى تكون هناك فترة هدوء، كي ربما يعودان إلى الحياة الزوجية، لأنه إذا كان هناك حملٌ فسيتضح في فترة العدة, وإذا اتضح وجوده فربما يؤثر ذلك على قرارهما، وهذا ما ترونه بالوجدان في كثيرٍ من الأحيان, حيث يشاهد أنه لو لا وجود الأولاد في البيت لطلق الزوج زوجته، وفي الكثير من حالات الحياة الزوجية لو لا وجود الأطفال لانفصل الزوجان، فنفس وجود الأطفال، ونفس وجود الحمل قد يمنع من حصول الانفصال، لذا الإسلام يقول للمرأة يجب عليك أن تعتدي فترةً، وفي هذه الفترة سيتبين أنها حاملةٌ أو ليست بحاملة، وإذا تبين أنها حاملة فهذا قد يصير سبباً, لماذا؟
لأن يفكرا من جديد ويعودا إلى الحياة الزوجية، وإذا لم تكن حاملةً فالموضوع واضح.
يعني أن الهدف الأساس من العدة هو التأكد من الحمل، فرجعنا إلى نفس الموضوع، وهو إن الهدف من فرض العدة هو التأكد من وجود الحمل أو عدم وجود الحمل، لكن الإسلام سلك طريقاً للوصول إلى هذا الهدف، فقال للزوجين، وقال للمرأة بعد الطلاق لابد من عدةٍ في مدةٍ حتى يتبين في هذه المدة أن المرأة حاملةٌ أم ليست بحاملة، إذ ربما إذا تبين أنها حاملةٌ تتغير وجهة نظر الزوج، ووجهة نظر الزوجة من جديد ويرجعان إلى الحياة الزوجية. انتهى موضع الحاجة.
التعليق
أقول: ليس لدي أدنى فكرة عن منشأ اعتقادكم بان إعطاء فرصة للرجوع للزوجية من خلال العدة ما هو إلا وسيلة لهدف أسمى وغاية نهائية, هي التأكد من الخلو من الحمل, فمن الذي أنبأ بذلك, أو ما هو المدرك والمستند لهذه الدعوى, وقد سبق إيضاح بطلان أساسها, واحسب انه لا حاجة لإطالة الكلام حول هذه النقطة, فهذه الفقرة لم تتم صياغتها بصورة جيدة, إذ الاضطراب فيها واضح, فبينما كان الغرض تبيان طريقية هدف التصالح والعودة للحياة الزوجية لهدف آخر رئيسي, هو التأكد من وضع الحمل, صارت الصياغة مقلوبة, والبيان عكسيا, فصار التصالح والعودة للحياة الزوجية نهاية المطاف والهدف الأخير, فلا ادري حقا ماذا تريد ان تقول ولم افهم المراد الجدي من هذا المقطع.
بتوضيح ان فكرتكم تنص على ان العلة الوحيدة للعدة هي التأكد من خلو المرأة من الحمل, ولما لاحظتم وتساءلتم عن منافاة ذلك لتعليل الآية الكريمة العدة بإعطاء فرصة للعودة للحياة الزوجية (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) طفقتم بتأويل ذلك بأنه علة وهدف لعلة وهدف آخر ألا وهو التأكد من الخلو من الحمل فهذا الجواب يقصد بيان ان هدف (فرصة العودة للحياة) مجرد طريق لهدف آخر الذي هو العلة للعدة وهذا ما كان جليا في الفقرة الأولى ولكن الاسترسال في الكلام قلب الصورة ليجعل الهدف الأخير التصالح والعودة للحياة الزوجية.
مع ملاحظة ان هذا الوجه لو تم فهو اخص من المدعى, فالطلاق لا يختص بحالة عدم وجود أولاد, بل كثيرا ما يحدث الطلاق مع سبق وجود ولد أو أولاد, فزيادة جنين محتمل, لا يغير من المعادلة شيئا, على ان هذا التعليل عليل للغاية, إذ يرى ان لا قيمة للعلاقة بين الزوجين بدون وجود الولد فعلا, فكأن ما يربط الزوج وجود الأولاد, ولا وزن للزوجة فكأنها مجرد آلة تفريخ يمكن التخلي عنها ما دامت لم تنجب بعد.
أضف إلى ذلك ان التعليل الوارد ذيل الآية الكريمة إذا لم يكن بيانا للحكمة وعلة للتشريع, وكان علة للحكم, فهذا معناه معارضة تعليل القرآن لتعليل صحيحة عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ التي رواها في الوسائل عن مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: سَأَلَهُ أَبِي وَ أَنَا حَاضِرٌ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَمَسَّهَا وَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا حَتَّى طَلَّقَهَا هَلْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنْهُ فَقَالَ إِنَّمَا الْعِدَّةُ مِنَ الْمَاءِ قِيلَ لَهُ فَإِنْ كَانَ وَاقَعَهَا فِي الْفَرْجِ وَ لَمْ يُنْزِلْ فَقَالَ إِذَا أَدْخَلَهُ وَجَبَ الْغُسْلُ وَالْمَهْرُ وَالْعِدَّةُ.()
فيتعين طرح الرواية لمخالفتها القرآن الكريم غير ان هذه الصحيحة -لو سلمنا انها في مقام التعليل- فهي كالآية لبيان الحكمة وليست في مقام تعليل الحكم, فقوله (ع): (إِنَّمَا الْعِدَّةُ مِنَ الْمَاءِ) واضح في بيان الحكمة وليس تعليلا للحكم لجلاء إطلاق العدة في قوله (ع): (إِذَا أَدْخَلَهُ وَجَبَ الْغُسْلُ وَ الْمَهْرُ وَ الْعِدَّة) فالإطلاق شامل للدخول مع الإنزال وعدمه بل هو مورد السؤال والجواب وشامل للدخول قبلا أو دبرا وللعلم بعدم الحمل أو عدمه ولكون احدهما أو كليهما عاقرا أو لا, كما انه يشمل الخصي الذي لا ينجب فهو يعم كل هذه الحالات بمقتضى إطلاق نفس هذه الصحيحة وغيرها, فلا مجال لتوهم ان التعليل للحكم لتدور العدة مداره وجودا وعدما.
لكن الصحيح انه لا تعليل في الرواية مطلقا, لا بنحو علة الحكم, ولا بنحو حكمة الحكم, فالإمام (ع) في مقام بيان موضوع العدة المتمثل في المطلقة المدخول بها, وعبارة (إِنَّمَا الْعِدَّةُ مِنَ الْمَاءِ) الغرض منها بيان موضوع العدة وان العدة تكون في حال الدخول فحسب, والتعبير بالماء كناية عن الدخول بلحاظ غلبة اقتران الدخول بالإنزال, فتوهم السائل موضوعية إنزال المني فسأل عن المدخول بها بدون إنزال فأجاب الإمام (ع) بان العبرة بالدخول أنزل أو لم ينزل, فليس في الرواية بيان لعلة الحكم, وإنما مجرد بيان موضوع الحكم, تماما كبيان موضوع وجوب الحج بانه (المكلف المستطيع) الذي لا علاقة له بعلة وجوب الحج, نعم الموضوع بمنزلة العلة بمعنى ارتباط فعلية الوجوب بالموضوع حيث لا يكون الوجوب فعليا قبل فعلية الموضوع, ولكن ذلك يختلف جذريا عن علة الحكم التي هي المصلحة التي دعت لتشريع وجوب الحج مثلا.
فالموضوع اصطلاح أصولي معناه مجموع الشروط التي تتوقف عليها فعلية الحكم, ويعتبر من شروط اتصاف الفعل بالمصلحة, وقد يكون من شروط استيفاء المصلحة وتحصيلها إذا كان غير اختياري.
ولتوضيح الفارق بين علة الحكم وموضوع الحكم نمثل للمسألة بطبيب يأمر المراجعين له وينصحهم بتناول البنسلين بالنسبة لكل مصاب بداء السكري منهم, فالموضوع هو داء السكري والحكم هو وجوب تناول البنسلين, والمصلحة الناتجة عن استعمال البنسلين هي المحافظة على سلامة المريض وتجنب تدهور الحالة الصحية له, وتحاشي الإصابة بضرر أو أمراض أخرى, فوجوب تناول الدواء لا يصير فعليا إلا في حالة فعلية الإصابة بالمرض وفي نفس الوقت الموضوع (الابتلاء بالمرض) شرط اتصاف أخذ البنسلين بالمصلحة, ولكن داء السكري شيء مختلف عن غرض وصفة البنسلين ودافعها, فوصفة البنسلين تعتمد على تشخيص الطبيب ملائمة البنسلين لرفع علة السكري أو أضرار السكري, ومعرفة الطبيب خاصية هذه المادة في التعويض عن إفراز غدة البنكرياس, فالعلة هي تعويض البنسلين عن ما تفرزه غدة البنكرياس, والخلاصة ان الموضوع برغم دخالته في اتصاف الحكم بالمصلحة ليس العلة الغائية للحكم, فموضوع الحكم بوجوب عدة الطلاق الذي هو (الزوجة المطلقة المدخول بها) هذا الموضوع شرط لتوفر العدة على مصلحة.
وعلة فرض العدة عبارة عن مصلحة وفائدة أدرك المشرع قدرة العدة على تقديمها بالنسبة للموضوع (المطلقة المدخول بها) فقدم العدة كوصفة علاجية, أو قل تشخيص المشرع توفر مصلحة مهمة في العدة تزيح الآثار السلبية بالنسبة للمطلقة المدخول بها, أما ما هي المصلحة التي يتم الحصول عليها كنتيجة للعمل بالعدة, وما هي تلك الآثار التي تتم إزالتها بالعدة, أو لماذا هذه الوصفة بالذات فهذا وذاك جانبان خفيان في المعادلة والخاص علمهما بالمشرع سبحانه, وهكذا استيفاء الفائدة من الوصفة يتحقق من خلال العدة, فوصف الداء يقدمه المشرع وتشخيص تحقق الموضوع (مطلقة مدخول بها) بيد المكلف نفسه أما تشخيص الدواء المناسب يجب ان يكون بيد الطبيب والمشرع حصرا.
فلا يمكن للمريض ان يشخص دواءً بديلا لأنه يجهل خصائص الداء وما يناسب شفائه أو دفع آثاره والتقليل منها, وهكذا موضوع عدة الطلاق الذي هو (الزوجة المطلقة المدخول بها) له ارتباط باتصاف العدة بالمصلحة فهو شرط للاتصاف, أما ما هي العلة التامة التي دفعت لفرض العدة والمصلحة التي أدت لتشريعها, والثمرة المترتبة على العمل بنظام العدة, فهذا مسكوت عنه لا تشرحه هذه الرواية ولا غيرها, نعم العلاج لرفع الحاجة يتمثل في العدة بحكم الوصفة التي قدمتها لنا النصوص الدينية, فلا نفهم من موضوع الحكم علةَ الحكم والمصلحةَ التي تقف وراءه. فاستبدال العدة بالفحص أشبه شيء باستبدال الدواء الذي يصفه الطبيب (البنسلين في المثال) بدواء آخر (الخشخاش مثلا) يقترحه المريض أو أي شخص آخر غير الطبيب, وأقرب شيء لترك تعليمات الطبيب القاضية بأخذ البنسلين بزعم معرفة دواء آخر مناسب لعلاج علة السكري.
أرجو أن أكون وفقت في محاولة شرح الصورة من خلال مثال الطبيب ومريض السكري لتقريب الفكرة مع التأكيد على حقيقتين ينبغي أن لا تغيبان عن البال:-
الأولى: ان الطبيب يفحص المريض شخصيا فيصف له الدواء ولا يعطي وصفات عامة بناء على تقدير المريض وتشخيصه لحالته, بينما الشارع يعطي وصفات عامة ويترك تشخيص موضوعات تلك الوصفات للمكلفين أنفسهم أي على نحو القضية الحقيقية, فالطبيب يشرح تعليماته بشكل شخصي لكل مريض يراجعه, بينما التعليمات الشرعية الدينية عامة تعطي ضوابط لفهم التعليمات مثل قوله (الخمر حرام والخل حلال) حيث يترك تشخيص ان هذا السائل خمر وذاك خل بيد الناس أنفسهم اعتمادا على خبرتهم, ولا تخبر الشريعة بان هذا خل أو ذاك خمر.
الثانية: ان الأحكام الشرعية تنطوي على جانب غيبي تعبدي, ولا تشرح الأسباب والعلل للتعليمات عكس الطبيب الذي يبين الأسباب والعلل ويشرحها للمراجعين عنده بحسب الغالب, فهذا الجانب مفقود في الأحكام الشرعية, ولو لا ذلك لما كان للعبادة معنى أو محل من الإعراب.
فشروط وجوب العدة وموضوعها عبارة عن شرح لقاعدة تبين متى تجب العدة ومتى لا تجب وليست شرحا لعلة وجوب العدة.
وهكذا الزوال موضوع لوجوب صلاة الظهر, فلا يتصف فعل صلاة الظهر بالمصلحة ولا يلبس الوجوب قبل الزوال, ولكنه ليس العلة الغائية لوجوب الصلاة, ولا يكشف عن الفلسفة والغرض وراء إيجاب الصلاة, لذلك لا نستطيع استبدال الصلاة بشيء آخر.
وعبارة ( إنما العدة من الماء) لها نظائر كثيرة يتضح منها ويتأكد انها ليست بصدد بيان العلة وانما مجرد بيان الموضوع:-
فمنها ما جاء في رواية أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع):(...إِنَّمَا الْوُضُوءُ مِنْ طَرَفَيْكَ اللَّذَيْنِ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِمَا عَلَيْكَ)()
فالرواية توضح موضوع وجوب الوضوء, وان ما يخرج من المخرجين يوجب الوضوء, أما ما هي علة وجوب الوضوء أو الهدف من إيجابه في هذه الحالة فلا تنبئ عنه الرواية, فانغلق أمامنا باب استبدال الوضوء بفعل آخر.
ومنها صحيحة الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (ع) عن علي(ع): (إِنَّمَا الْغُسْلُ مِنَ الْمَاءِ الْأَكْبَرِ....)()
فالغسل يجب بتحقق موضوعه وهو نزول الماء الأكبر (المني) وهذا الموضوع يحقق اتصاف فعل الغسل بالمصلحة, ولكنه ليس علة وجوب الحكم. أي لا يفهم من الرواية سبب تشريع وجوب الغسل في حالة الإنزال, أو الهدف والغرض من وجوب الغسل أو الفائدة المترتبة على الغسل. لذلك لا منافاة بين كون نزول الماء موضوعا لوجوب الغسل وبين ما دل على ان الإدخال يوجب الغسل, والسر ان نزول الماء ليس علة وحيدة لوجوب الغسل فالموضوع المتكامل نستنتجه من خلال استقراء الأدلة ليكون في هذا المثال (نزول الماء أو الدخول) ولكن لا يتيسر لنا تبديل وصفة الغسل بوصفة من عند أنفسنا.
ومنها ما جاء في صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)(..... وفِي الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَ تُفْطِرُ أَمْ تَصُومُ قَالَ تُفْطِرُ إِنَّمَا فِطْرُهَا مِنَ الدَّمِ.)()
فدم الحيض موضوع للإفطار يتأخر حكم الإفطار عنه رتبة, ولكنه ليس علة سن الإفطار بمعنى ان الدم ليس الدافع لتعين الإفطار, فالعلة عبارة عن ملاك حكم الإفطار ومصلحة جعل هذا الحكم وتشريعه وهو مختلف عن موضوع الإفطار, نعرف ان الدم يجعل من الإفطار حكم المرأة, ولكن ليس لها طريق لاختيار بديل عن الإفطار لو وجد.
ومنها ما جاء في صحيحة الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع):(.... إِنَّمَا يُرَدُّ النِّكَاحُ مِنَ الْبَرَصِ وَ الْجُذَامِ وَ الْجُنُونِ وَ الْعَفَلِ...)()
وهذه الصحيحة تشرح موضوع فسخ النكاح, وانه يمكن ان يقع في حال تحقق موضوع الفسخ, وهو البرص أو الجذام أو الجنون أو العفل, ولكن شيئا من ذلك لا يشرح دوافع التشريع, ومصلحة جعل حق الفسخ في الحالات المذكورة, صحيح نعرف التوجيه حال تحقق احد الأسباب المذكورة, ولكن لا ينفتح أمامنا سبيل لانتخاب وسيلة أخرى وحل آخر عن الفسخ.
وقضية (إنما العدة من الماء) أيضا كذلك موضوع العدة هو الماء الذي هو كناية عن الدخول بدليل شرح الإمام (ع) بقوله: (إِذَا أَدْخَلَهُ وَجَبَ الْغُسْلُ وَ الْمَهْرُ وَ الْعِدَّة) فيكون الدخول موضوعا لوجوب الغسل وموضوعا لاستحقاق المهر وموضوعا لوجوب العدة, وليس في ذلك بيان لهدف العدة أو علتها, فلا يصح الخلط بين موضوع الحكم وعلة الحكم, فهناك ثلاثة عناصر مختلفة (موضوع الحكم, علة الحكم, حكمة الحكم) يجب التمييز بينها.
ومما يؤكد نفي ارتباط العدة باحتمال الحمل ما ورد بالنسبة للخصي حيث جاءت روايتان صحيحتان إحداهما تنفي العدة عن زوجته المدخول بها, والأخرى تثبتها. أما النافية فهي ما رواه في الوسائل عن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ سَأَلْتُ الرِّضَا (ع) عَنْ خَصِيٍّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ مَا دَخَلَ بِهَا قَالَ لَهَا الْأَلْفُ الَّتِي أَخَذَتْ مِنْهُ وَ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا.()
وأما المثبتة فهي ما رواه في الوسائل عن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ قَالَ سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) عَنْ خَصِيٍّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَ هِيَ تَعْلَمُ أَنَّهُ خَصِيٌّ قَالَ جَائِزٌ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ مَكَثَ مَعَهَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا هَلْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ قَالَ نَعَمْ أَ لَيْسَ قَدْ لَذَّ مِنْهَا وَ لَذَّتْ مِنْهُ...)()
ومقتضى الصناعة طرح النافية لمخالفتها إطلاق الكتاب الكريم المثبت للعدة فهو يتناول طليقة الخصي بلا ريب مضافا لهجر الأصحاب وإعراضهم عنها بالكلية المسقط لها عن الحجية, فتكون النتيجة ثبوت العدة عليها رغم العلم بعدم حملها فيتأكد بطلان النتيجة علاوة على بطلان المنهج والأسلوب الذي اتبع للوصول لهذه النتيجة.
ولو لم تقبل بالترجيح لكفى لرفع جزمك بالعلة الرواية الصحيحة المثبتة للعدة, لتوفر احتمال فرض العدة مع العلم بانتفاء الحمل, فضلا عما تقدم من أدلة على نفي ما ذهبتم إليه.
ولو استدللت بما رواه في الوسائل عن محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَيْفٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي (ع) قَالَ: (في حديث) أَمَّا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ فَلِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ مِنَ الْوَلَدِ...)()
لو استدللت على رأيك في علة العدة بهذا الخبر لكنت اقرب إلى المنطق من ناحية الدلالة ولكن النتيجة مع ذلك مرفوضة أولا: لضعف سند الخبر جدا على الأقل بمحمد بن سليمان (بن عبد الله الديلمي) فقد قال عنه النجاشي: ضعيف جدا لا يعول عليه في شيء. وقد صرح الصدوق في العلل عند نقل الخبر بان راويه هو محمد بن سليمان الديلمي عن أبي الهيثم.() وكذا في المحاسن للبرقي.
وثانيا: لو أغمضنا النظر عن ضعف السند فالتعليل من باب الحكمة وليس علة يدور مدارها الحكم الشرعي كما أوضحنا ذلك فيما سبق فلا نعيد.
وتماشيا مع منهج استنباط العلة نقول: ان من نافلة القول عدم انحصار علة العدة بما ذكر في خطب الجمعة وهي في الواقع مجهولة بالنسبة لنا ومع ذلك فقد ذكر الشيخ السيد سابق في فقه السنة أربعَ حِكَم والتزم بعموم العدة ولم يعتبرها ملاكا للعدة أو علة تامة لها لا منفردة ولا مجتمعة فقد قال ما نصه:
العدة: مأخوذة من العد والإحصاء: أي ما تحصيه المرأة وتعده من الأيام والاقراء.
وهي اسم للمدة التي تنتظر فيها المرأة وتمتنع عن التزويج بعد وفاة زوجها، أو فراقه لها.
إلى أن قال: وأجمع العلماء على وجوبها، لقول الله تعالى: } وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ {{البقرة/228}
وقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: " اعتدي في بيت أم مكتوم ".
حكمة مشروعيتها:
ا - معرفة براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب بعضها ببعض.
ب - تهيئة فرصة للزوجين لإعادة الحياة الزوجية إن رأيا أن الخير في ذلك.
ح - التنويه بفخامة أمر النكاح حيث لم يكن أمرا ينتظم إلا بجمع الرجال، ولا ينفك إلا بانتظار طويل.
ولو لا ذلك لكان بمنزلة لعب الصبيان ينظم ثم يفك في الساعة.
د - أن مصالح النكاح لا تتم حتى يوطنا أنفسهما على إدامة هذا العقد ظاهرا، فإن حدث حادث يوجب فك النظام لم يكن بد من تحقيق صورة الإدامة في الجملة بأن تتربص مدة تجد لتربصها بالا، وتقاسى لها عناء.()
أقول: موقف جميل حيث لم يدع استنباط العلة التي يدور الحكم مدارها وإنما جعل القضية في إطار الحكم, ونحن الإمامية ندين الله سبحانه بالتعبد بالنصوص الدينية كتابا وسنة, ولا نزعم معرفة علة هذا الحكم ولا غيره ومع التسليم بمباني القائلين بالقياس المستنبط العلة لا يمكن الظن فضلا عن القطع بكون العلة التأكد من الخلو من الحمل في هذه المسألة بل عرفت ان ذلك لا يمكن ان يكون العلة الوحيدة للعدة.
الملاحظة السادسة: التضارب بين انحصار غرض العدة في العلم بعدم الحمل وبين توفر عامل مجهول لمضاعفة العدة.
جزمتم حضرتكم بان العلة الوحيدة لعدة الفراق هي التأكد من حال المرأة وأنها حامل أو حائل, ولا ينقضي العجب من هذا الاستنتاج مع جزمكم في الوقت نفسه باختفاء عامل أدى لمضاعفة العدة في الحرة المطلقة, علاوة على عدة الأمة, أو المتمتع بها, فبرغم اعتقادكم القاطع بإمكان التحقق من موضوع الحمل بشهر ونصف, وتأكيدكم على ان المدة الإضافية بحوالي شهر ونصف, لا ترتبط بسبب معروف وواضح, برغم ذلك تيسر لكم التوفر على القطع الجازم واليقين الصارم بانتفاء العدة بمجرد الفحص, وان لها ان تتزوج بعشرة يدخلون بها في يوم واحد.
ان الجمع بين هذين الجزمين والتزاوج بين هذين القطعين يدعو لإعادة النظر في مسألة استحالة التصديق باجتماع الضدين والنقيضين التي دأب المنطقيون وجميع العقلاء على تأكيدها.
فقد قلتم:
لماذا فرّق الإسلام بين فترة العدة في العقد المنقطع بالقياس إلى فترة العدة في العقد الدائم؟ ما سر هذا التفريق؟
3- معالجتنا لفلسفة الفرق بين فترات العٍدَدْ
أقول في الجواب: لا يوجد هنا تفسيرٌ واضحٌ لهذا التفريق، وبعبارةٍ أخرى: لا يمكننا أن نحدد سبب هذا التفريق بشكلٍ دقيق، ولكن يمكن أن نفهم طبيعة هذا السبب، فطبيعة هذا السبب طبيعةٌ اجتماعيةٌ، وإن كنّا لا نعرف ذات السبب بشكلٍ دقيقٍ، ومصدر فهم هذه الطبيعة للسبب هو: أن الإسلام اكتفى في المرأة المملوكة المطلّقة من الزواج الدائم بأن تعتد بفترة شهرٍ ونصفٍ تقريباً، بينما إذا كانت المرأة حرّةً وليست مملوكةً لأحدٍ لم يكتف بهذا المقدار وضاعف فترة العدة, ومن ذلك نفهم أن هذه المضاعفة مرتبطةٌ بعاملٍ اجتماعيٍ يرتبط بموقع المرأة في المجتمع، وكونها امرأةً حرّةً ليست مملوكةً لأحدٍ، باعتبار أن مكانة المرأة الحرّة في المجتمع تختلف عن مكانة المرأة الأمة في المجتمع.
وأذكر لكم هنا مثالاً لتقريب الفكرة ولمجرد التوضيح: لاحظوا الآن وفي زماننا المرأة الخادمة في مجتمعاتنا وموقعها الإجتماعي بالقياس إلى المرأة السيدة المخدومة، حيث يعتبر الناس أن مقام المرأة الخادمة الاجتماعي في المجتمع أقل من مقام المرأة السيدة المخدومة، هذا الامتياز موجودٌ، لا أريد أن أعتبره صحيحاً من الناحية الشرعية والإنسانية, لكن هذا واقعٌ في المجتمع انه يفرّق بين المرأة الخادمة والسيدة المخدومة من ناحية المكانة الإجتماعية, قضية المرأة الحرة والمرأة الأمة في الإسلام قضيةٌ تشبه هذا الموضوع إلى حدٍّ مَّا.
الإسلام ضاعف من فترة العدة في المرأة الحرة لعاملٍ وسببٍ يرتبط بموقعها الاجتماعي، هذا الموقع الاجتماعي الذي تفتقده المرأة الأمة, إننا لا نعرف بشكلٍ دقيقٍ كيفية وفلسفة تأثير هذا العامل الإجتماعي في مضاعفة العدة, لكننا نعرف إجمالاً ان طبيعة هذا السبب طبيعةٌ اجتماعيةٌ، وإن كان لا يمكننا تشخيص ذات السبب بشكلٍ دقيقٍ.
من ناحية أخرى نفهم أن هذا السبب الاجتماعي أمرٌ غير مسألة التأكد من الحمل, ونعرف ان هذا السبب الاجتماعي والعامل الثاني في عدة الطلاق من الزواج الدائم الموجب لمضاعفة فترة العدة إنما يؤثّر في مضاعفة فترة العدة لكنه لا يؤثر في تأسيس العدة، فهناك فرقٌ بين وجود عاملٍ يقتضي جعل فترة العدة وتأسيسها وبين عاملٍ يقتضي مضاعفة فترة العدة، والعامل الموجود في مسألة مضاعفة فترة عدة المرأة الحرة المطلقة مختلفٌ عن مسألة التأكد من الحمل, إذ هذا العامل إنما يقتضي مضاعفة فترة العدة ولا يقتضي تأسيس العدة.
ويؤكدُّ ذلك بعض الشواهد التي ذكرناها سابقاً:
الشاهد الأول: أنه إذا تزوج الرجل بامرأةٍ إلا أنه لم يعاشرها معاشرةً جنسية ثم طلقها فلا تجب العدة.
الشاهد الثاني: إذا تزوج الإنسان من امرأةٍ كبيرةٍ في السن لا ترى العادة الشهرية ثم طلقها فلا تجب عليها العدة حتى إذا عاشرها، ويمكنها أن تتزوج فوراً من رجلٍ آخرٍ.
الشاهد الثالث: أنه إذا تزوج الرجل من بنتٍ صغيرةٍ لم ترَ العادة الشهرية بعدُ ثم طلّقها فلا يجب عليها العدة حتى إذا عاشرها.
ففي هذه الموارد الثلاثة - يعني البنت الصغيرة, والمرأة الكبيرة, والمرأة التي يتزوجها الرجل لكنه لا يعاشرها - لم يوجب الإسلام العدة على المرأة, ماذا نستفيد من ذلك؟
نستفيد أن مسألة العدة وكما قلنا سابقاً مرتبطةٌ بقضية الحمل، وبما أن في هذه الحالات الثلاث لا يوجد احتمال الحمل ولذا لم يوجب الإسلام العدة، فالمرأة التي لا ترى العادة الشهرية لا تحمل، والبنت الصغيرة التي لم تر العادة الشهرية بعدُ لا تحمل، والمرأة التي تزوجها الرجل ولم يعاشرها لا تحمل.
نستفيد أن مسألة العدة مرتبطةٌ بشكلٍ أساسيٍ باحتمال وجود الحمل، وانه إذا لم يكن هناك احتمالٌ لوجود الحمل فحينئذ لا يجب على المرأة أن تعتد، لكن في هذه الحالات الثلاث مع أن الزواج كان دائماً الا أن العامل الثاني في العدة - والذي أوجب مضاعفة الفترة في حالات ثبوت العدة, وقلنا بأنه عاملٌ إجتماعيٌ - لم يوجب ثبوت العدة, مما يكشف عن أن هذا العامل الثانوي إنما يصلح لأن يكون عاملاً لمضاعفة الفترة فقط في حال وجود أصل السبب الموجب لثبوت العدة وهو إحتمال الحمل, وأما مع عدم توفر السبب الأصلي فعامل المضاعفة لا يمكنه أن يؤثر في ثبوت وتأسيس العدة.
والخلاصة: في عدة الطلاق من الزواج الدائم هناك عاملٌ ثانويٌ أوجب مضاعفة فترة العدة بالقياس إلى فترة العدة في العقد المنقطع, إلا أن هذا العامل يصلح أن يكون عاملاً لمضاعفة وازدياد فترة العدة ولا يصلح عاملاً مؤسساً للعدة، ولذا قلت بأن في الحالات الثلاث المذكورة مع أن هناك امرأةٌ مطلقةٌ حرةٌ لكن الإسلام لم يوجب العدة مما يكشف عن أن ذلك العامل الثانوي الذي أوجب مضاعفة فترة العدة في الطلاق من حالات الزواج الدائم إنما يصلح أن يكون عاملاً لمضاعفة فترة العدة ولا يصلح أن يكون عاملاً لتأسيس العدة, كما لم يؤسس العدة في هذه الحالات الثلاث التي أشرت إليها.()
وقد أبديتم حول سبب مضاعفة العدة احتمالات أخر في خطبة أخرى حيث قلتم:
هل الإسلام يصلح نظاماً للبشرية في كل زمان؟ (20)
(متابعة بحث: هل تجب العدَّةُ على المرأة في هذا الزمان؟)
في هذه الخطبة الأولى أيضاً نتابع البحث الذي كنا نعالجه في الخطب الأولى في الأسابيع الماضية, وهو البحث في مسألة العدة التي فرضها الإسلام على المرأة التي تُطلّق من قبل زوجها، أو التي تنفصل عن الزوج في حالات الزواج المنقطع، العدة التي اختلفت فتراتها ففي بعض الحالات فرض الإسلام فترةً أقصر وأقل وفي بعض الحالات فرض فتراةً أطول.
ففي العدة المفروضة على المرأة في حالات الطلاق من الزواج الدائم, تقرب العدة المفروضة على المرأة من ثلاثة أشهر تقريباً, لكن في العدة المفروضة على المرأة في حالات الزواج المنقطع تقرب العدة من شهرٍ ونصفٍ تقريباً, فالفترة في المنقطع نصف الفترة في الدائم تقريباً.
كما أنه قلنا: بأن الإسلام فرّق بين الزوجة الدائمة الحرة، والزوجة الدائمة المملوكة، فبالنسبة إلى الزوجة الدائمة الحرة فرض العدة بقدر ثلاثة أشهرٍ تقريباً, لكن في الزوجة الدائمة المملوكة فرض العدة بقدر شهرٍ ونصفٍ تقريباً، ما سرّ هذا الفرق بين فترات العدة في هذه الحالات؟
والسؤال إنما نشأ وانطلق من أنه إذا كانت فلسفة العدة المفروضة على المرأة في الإسلام هي التأكد من عدم الحمل فهذا يعني أن عملية التأكد من الحمل تتحقق وتُستوفى بفترة العدة المفروضة في الزواج المنقطع، يعني شهر ونصفٍ تقريبا، فلماذا ضُوعفت المدة إلى ثلاثة أشهرٍ تقريباً في حالات الزواج الدائم؟
وإذا كانت فترة الشهر والنصف - وهي العدة المفروضة في حالات الزواج الدائم في ما إذا كانت الزوجة مملوكةً - كافيةً لتبيّن أن المرأة حاملةٌ أم ليست بحاملةٍ فلماذا ضاعف الإسلام من مدة العدّة في المرأة الحرّة في الزواج الدائم؟
في ثلاثٍ من الخطب الماضية حاولنا أن نوضّح سرّ هذا التفريق بين الزوجة الدائمة الحرة والزوجة الدائمة المملوكة, وانتهينا من الإجابة على السؤال في خصوص هذا التفريق.
3- فلسفة الفرق بين عدَّة الزواج الدائم والمنقطع
والآن نريد أن نعطف الكلام والحديث إلى أنه لماذا فرّق الإسلام بين الزواج الدائم والزواج المنقطع؟
الزواج المنقطع الذي نؤمن بأنه مستمرٌ على حلّيّته, إذ لا شك ولا خلاف بين المسلمين في أن الزواج المنقطع كان مباحاً في عهد النبي (ص), وقد ذكر في جميع المصادر الإسلامية, ومن جملة ذلك في أوثق كتب الحديث عند إخواننا السنة, وكذلك في الكتب المعتبرة عند الشيعة:
أن الزواج المنقطع كان مباحاً في عهد رسول الله (ص), ونحن نرى أن عملية الوحي وتثبيت أو تغيير الأحكام مقصورة على رسول الله (ص), نأخذ بما جاء به الرسول ولا يمكننا الأخذ بغير ذلك، ونعتقد أن هذه الشريعة شريعةٌ أبديةٌ ولا تغيير لها إلى يوم القيامة، ومعنى أبدية الشريعة هو أبدية أحكام الشريعة, إذ ليست الشريعة إلا عبارة عن الأحكام التي جاءت بها الشريعة، وأبدية الشريعة يعني أبدية أحكام الشريعة، وأبدية أحكام الشريعة يعني أبدية الأحكام التي جاء بها رسول الله (ص).
لكن موضوع الحديث الآن هو مسألة أنه لماذا فرّق الإسلام بين العدة المفروضة في حالات الزواج الدائم، والعدة المفروضة في حالات الزواج المنقطع؟ إذ جعل فترة العدة في الزواج الدائم ضعف فترة العدة في حالات الزواج المنقطع، ما سبب ذلك؟
ذكرت في بعض الخطب الماضية تفاسير أربعة لهذا التفريق وأجبنا عنها, ولا يمكننا أن نعيد نقلها هنا مرةً أخرى بشكل تفصيلي، ومن شاء يمكنه مراجعة الخطب الماضية, لكن على نحو الفهرسة فقط أشير إليها هنا:
التفسير الأول: هو ذلك التفسير الذي كان يقول بأن الإسلام إنما ضاعف من فترة العدة في حالات الزواج الدائم بالقياس إلى الزواج المنقطع بسبب أن الهدف من الزواج المنقطع هو المتعة وليس تكوين حياةٍ أسريةٍ وزوجيةٍ، هو عقدٌ شرّعه الإسلام وأباحه للمرأة والرجل الذين يريان في نفسيهما الحاجة إلى الاستمتاع بالجنس الآخر, وقد لا تكون الظروف مهيئةً لهما لإنشاء حياةٍ أسريةس وزوجيةٍ، إذ في كثيرٍ من الأحيان قد لا يتمكن الإنسان من إنشاء حياة زوجية, لكن ليس معنى ذلك أن ينجرّ إلى الزنا والفواحش.
ومن هنا تتجلَّى فلسفة الزواج المنقطع في الإسلام, وأنه إنما سمح بذلك لسدِّ الحاجة الجنسية ومن أجل المتعة والاستمتاع كي يغلق الباب على الكبت النفسي والجنسي وعلى الزنا والفواحش في الظرف الذي لا يتمكن فيه الرجل أو لا تتمكن المرأة من الزواج الدائم وتكوين الحياة الأسرية.
وليس القصد من الزواج المنقطع إنشاء الحياة الأسرية, وإنما الهدف مجرد فسح المجال للرجل والمرأة بأن يستمتع كل منهما بالآخر في إطارٍ من الشرعية وخروجاً عن حالات الزنا والفواحش، لكن الهدف من الزواج الدائم إنشاء أسرةٍ وحياةٍ أسريةٍ، ولذا جعل الإسلام فترة العدة في الزواج الدائم أطول، حتى إذا ما حصل الطلاق بين الزوجين يكون هناك مجالٌ لكلٍّ منهما كي يفكّر في جوٍّ هادىء في مشاكلهما الزوجية, وربما يعودان إلى حياتهما الزوجية والأسرية من جديد، وبذلك قد يكون تطويل فترة العدة عاملاً مشجّعاً لعودة الحياة الزوجية في حالات الزواج الدائم، لكن هذه الفلسفة غير واردةٍ في حالات الزواج المنقطع.
التفسير الثاني: إن الإسلام أراد من خلال تطويل فترة العدة في حالات الزواج الدائم تحصين المرأة من أن تنالها الألسن، لأنها إذا تزوجت فوراً وبمجرد التأكد من أنها ليست حاملة فقد تنالها الألسن, وتثار الشبهة حولها بأنها كانت لها نوايا مبيّتةٍ من قبل وكانت لها علاقاتٌ مع الزوج الجديد قبل أن تتزوج معه.
فأراد الإسلام أن يحصّن المرأة من أن تتداولها الألسن في المجتمع، لذا فرض عليها العدَّة ومنعها من الزواج لفترةٍ أطول.
التفسير الثالث: ما جاء في بعض الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (ع)، وهي الرواية المروية عن الإمام الصادق (ع), وأن كنت قد ذكرت في تلك الخطبة أن هذه الرواية ضعيفةٌ من ناحية السند.
وقد سأل السائل من الإمام (ع) أنه لماذا جعل الله سبحانه وتعالى فترة العدة في عدة الوفاة أطول من فترة العدة في حالات الطلاق من الزواج الدائم, حيث أن عدة الوفاة أربعة أشهرٍ وعشرة أيام، لكن عدة الطلاق ثلاثة أشهرٍ تقريبا؟ فأجابه الإمام (ع): (لأن حرقة الطلقة تسكن في ثلاثة أشهرٍ, وحرقة المتوفى عنها زوجها لا تسكن إلا بعد أربعة أشهرٍ وعشر). (وسائل الشيعة22/237).
وقد علّقنا على هذه الرواية في تلك الخطبة، ولا نريد التوسع هنا بعد أن توسعنا في الرواية في تلك الخطبة.
التفسير الرابع: مجاراة العرف الجاهلي، حيث قلنا ربما جعل الإسلام فترة العدة في حالات الزواج الدائم أطول وضاعف الفترة بالقياس إلى فترة العدة في حالات الزواج المنقطع مجاراةً للعرف الجاهلي, باعتبار أن في العرف الجاهلي إذا طُلّقت المرأة من زوجها فإنه كان يُفرض عليها أن لا تتزوج من رجلٍ آخر لفترة طويلةٍ تقرب من فترة الثلاثة أشهر بل تزيد على ذلك، والإسلام أراد أن يجاري العرف الجاهلي.
وقد ذكرت في تلك الخطبة أن بعض أحكام الإسلام إنما أُقرّت من باب مجاراة العرف الجاهلي، وهذه المجاراة لم تكن بدون فلسفةٍ وحكمةٍ، وإنما كانت لبعض الحكم التي أشرت إليها في تلك الخطبة.
هذه تفاسير أربعة، ذكرناها لبيان سرّ الفرق بين فترة العدة في الزواج المنقطع والدائم، لكننا رفضناها هناك وبيّنا السبب في ذلك.
لكن الشيء الذي أريد أن أضيفه الآن هو أن رفض تلك التفسيرات الأربعة إنما كان على أساس أن تكون هذه العوامل الأربعة مجموعاً أو واحدةٍ منها - اي افتراض أن السبب للفرق بين العدتين هو ما جاء في التفسير الأول فقط, أو ما جاء في التفسير الثاني فقط... وهكذا إلى آخر التفاسير الأربعة – عوامل وأسباباً استقلالية.
يعني ماذا أسباباً استقلالية؟
يعني أن يقال بأن الإسلام إنما طوّل من فترة العدة في حالات الزواج الدائم لسببين: السبب الأول: التأكد من الحمل.
السبب الثاني: واحدةٌ من التفاسير الأربعة المشار إليها، بمعنى أن التأكد من الحمل سببٌ مستقلٌ لفرض العدة، ومثلاً مجاراة العرف الجاهلي أيضاً سببٌ مستقلٌ آخر، بحيث إذا توفر السبب الأول فرض الإسلام العدة لمدة ثلاثة أشهر، وإذا توفر السبب الثاني فأيضاً يفرض الإسلام العدة لمدة ثلاثة أشهرٍ.
هذه الاستقلالية رفضناها، وقلنا: هناك حالاتٌ من الطلاق في الزواج الدائم لم يفرض الإسلام فيها عدَّةً أساساً ، كما إذا طلق الرجل زوجته من دون أن يكون قد دخل بها، أو كما إذا طلق زوجته التي لم تبلغ سن البلوغ يعني تسع سنين، أو كما إذا طلق زوجته اليائسة التي لا ترى العادة الشهرية، ففي هذه الحالات وبعض الحالات الأخرى لم يفرض الإسلام العدة أساساً، فلو كانت هذه التفاسير الأربعة أو بعضها صحيحة لكان من اللازم أن يفرض الإسلام العدة في هذه الحالات أيضاً, لكنه لم يفرض.
هذا فيما إذا فرضنا أن هذه العوامل الأربعة أو بعضها عوامل استقلالية، لكن يمكن أن تكون بعض هذه العوامل - يعني السبب الأول, أو الثاني, أو الثالث, أو الرابع - أسباباً واقعية لمضاعفة فترة العدة، ولكن ليس لتأسيس العدة, وذلك على غرار ما ذكرته في الخطبة الماضية بالنسبة إلى المرأة الحرة والمملوكة.
هذا توضيح أردنا أن نذكره, ومما ينتج من هذا التوضيح أن السبب وراء مضاعفة فترة العدة في الزواج الدائم بالقياس إلى حالات الزواج المنقطع قد يكون التفسير الأول، وقد يكون التفسير الثاني، وقد يكون التفسير الثالث، وقد يكون التفسير الرابع، لكن على أساس أن تكون أسباباً ثانوية وصالحة لمضاعفة فترة العدة وليس لتأسيس فترة العدة. هذا التوضيح متمّمٌ للبحوث السابقة. انتهى.()
أقول: إذا كان عامل مضاعفة العدة وإطالتها بعد التأكد من خلوها من الحمل عاملا اجتماعيا, أو إعطاء فرصة للتراجع عن الانفصال والطلاق, أو دفع التهمة عن المرأة بأنها على علاقة بالرجل الجديد قبل الطلاق, أو انتظار انتهاء حرقة المطلقة, أو مسايرة العرف الجاهلي, أو غير ذلك من العوامل, فكيف انتفى هذا العامل كليا بالفحص أو بأي وسيلة أخرى تؤكد الخلو من الحمل وكيف مسخ هذا العامل حتى عاد بالإمكان للمرأة ان تتزوج عشرة أو أكثر في يوم واحد مع دخول جميعهم بها, أليس احتمال الحمل موجودا قبل الفحص كما هو موجود قبل انقضاء الشهر والنصف, فكيف ساغ لهذا العامل الإضافي ان يتمدد ويمدد العدة لشهر ونصف إضافي, ولم يتح له ان يستقر لحظة واحدة بعد الفحص المؤكد للخلو من الحمل أنبئني ما هو الفرق بين المقامين أهو من علل الأحكام التي نجهلها؟!
فإذا كان العامل المؤسس للعدة هو الجهل بحملها فهو موجود قبل الفحص كما هو موجود قبل مرور شهر ونصف, وهو مرتفع بعد الشهر والنصف كما هو مرتفع بعد الفحص.
فليكن الفحص بديلا عن النصف الأول (شهر ونصف) ولكن ما الذي اسقط النصف الثاني (شهر ونصف) أليس الجهل بالحمل عاملا مؤسسا للعدة ومتوفرا قبل الفحص؟ فليرافقه العامل المضاعف للعدة حتى يكون الفحص مسقطا لنصف المدة وليس لتمامها, هذه النتيجة أوفق بالمنطق واقرب للسنة الحسنة المتمثلة في التدرج في بيان الأحكام!.
ثم من أين عرفتم ان العامل الخفي يصلح للمضاعفة فقط, ولا يصلح للتأسيس؟ وان العامل المؤسس للعدة خاص بالجهل بالحمل السابق للشهر والنصف, وليس صالحا للجهل بالحمل السابق للفحص؟ لم تشرحوا سبب الفرق هنا ومن الذي أطلعكم على هذه التفاصيل الدقيقة لمناطات الأحكام وعللها ودرجاتها ومواقع تأثيرها بدقة متناهية؟.
أليس في مثل هذا الطرح امتهان لكرامة المرأة حتى عادت سلعة يتوارد على الالتذاذ بها رجال كثيرون في يوم واحد.
ثم ألا توافقني بأن طرح مثل هذه الآراء يوجب البلبلة والتشنيع على الإسلام والمذهب وعلمائه, لماذا نفتح بابا للآخرين حتى يواجهوا مذهب أهل البيت (ع) بزخرف من القول نحن في غنى عنه. فطرحها من قبلكم قد يؤدي إلى نسبتها للشيعة وان الإمامية يقولون بذلك مستندين لأقوالكم فما الداعي لطرحها على الملأ وفي خطب الجمعة وفي نشرة الحكمة هل للإسلام نصيب من المصلحة في ذلك؟
الملاحظة السابعة: مخالفة المسلمات قواعد ونتائج.
تنبهتم لمخالفة بعض المسلمات فمن هذه المسلمات التي خالفتموها الاعتماد على القياس باستنباط العلة كمنهج في معرفة الأحكام كما يظهر من سردكم, إضافة إلى النتائج المخالفة للمسلمات, ولكن تنبهكم لم ترفقوه بأي تبرير لهذه المخالفة, سوى مقارنة لا نرضاها لكم ولو سمعناها من غيركم لانزعجنا اشد الانزعاج, وهي مقارنة نفسكم بالمشكك (ديكارت) واعتباركم ان التقدم العلمي عائد لفتح أبواب الشك وفي الواقع لم افهم العلاقة بين الموضوعين ووجه الربط بين المسألتين فلا يعود الفضل إلى الشك في إحراز التقدم العلمي والتكنولوجي وعلى تقديره لا ارتباط بين الموضوعين فتشريعات الإسلام كاملة تامة ليست بحاجة لتطوير أو تكميل أو تعديل أو تصحيح.
التطوير والتجديد حقيقة ثابتة في العلوم الآلية التي تكشف عن الحكم الشرعي مثل علم أصول الفقه, وعلم الفقه نفسه, فبرغم التطور الكبير الذي شهده ويشهده كل من العلمين المذكورين إلا انه اقتصر على كشف الحكم الشرعي, وليس له أي دور في المساس بضرورات الدين والمذهب. ان دعوتكم للشك والتجديد في كل القضايا تسقط المسلمات والثوابت وتضرب حرمة المسائل الضرورية التي علم صحتها ونسبتها للإسلام, ثم لمن توجهون هذه الدعوة هل توجهونها للفقهاء؟ أم لجميع الناس؟ إن كانت الدعوة لخصوص الفقهاء فأظنكم أخطأتم المكان فالمخاطبون ليسوا من الفقهاء, ومخاطبة غير الفقهاء بخطاب الفقهاء ينافي أبسط قواعد الحكمة, وان كانت الدعوة لعموم الناس فهذا يعني أنكم لا ترون للاختصاص الفقهي ضرورة فالنظر والتجديد والتشكيك في كل القضايا مباح لكل الناس, والجميع مدعو له, ولا عجب في ذلك بعد ان أصبح الشك والتجديد مفتوحا على مصراعيه ليطال مسألة التخصص والاجتهاد.
فقد قلتم:-
التوضيح الثاني الذي أريد أن أذكِّرْ به أن باب البحث والتعميق والتجديد في كل القضايا يجب أن يكون مفتوحاً دائماً، ومن الخطأ أن نتصور أن المسألة إذا كانت مُسَلَّمَة فلا تحتاج إلى بحثٍ, إن التقدم العلمي اليوم في أوروبا وغير أوروبا في مجالات العلوم الأكاديمية إنما حصل باعتبار أنهم فتحوا باب البحث في كل شيء، لا يوجد مجالٌ ممنوعٌ على البحث العلمي.
ربما سمعتم بالفيلسوف الفرنسي الشهير المعروف (ديكارت) حيث بدأ فلسفته بنقطة التشكيك في كل شيء إلا في أنه يشكك في كل شيء، ومن هنا انطلق في فلسفته, لا نريد أن نقلده، بل نريد أن نقول: إن العلم إنما يتقدم وينمو بفتح باب البحث في كل شيء، وعدم فرض ممنوعاتٍ يمنع البحث فيها، والإسلام دينٌ منفتحٌ على البحث، والفقهاء بإمكانهم أن يجددوا البحث والنقاش في كل القضايا، طبعاً باستثناء القضايا البديهية، وإن كان بعض الأمور التي تعدُّ بديهيةً في زماننا هذا ربما تتحول إلى غير بديهيةٍ في أزمنةٍ أخرى قادمةٍ.()
أقول: لا ينقضي العجب من اعتبار نسبية البديهة فالبديهية المنطقية معلومة غير مكتسبة ولا تتغير بداهتها ولا تزول نضارتها, والمعلومات المنطقية القائلة بلزوم التناقض وعدم الوثوق بأي قضية - بما فيها دعوى نسبية البديهة - بعد الشك في البديهيات تنطبق تماما هنا فاعتبارها نسبية يساوي الشك فيها وفي صدقيتها فيفتح ذلك الباب لتجاوز كل الخطوط الحمر, بحجة أنها لم تعد بديهية وأنها ليست مسلمة في هذا الزمان, وحينها لن يبقى حجر على حجر.
الملاحظة الثامنة: لا عدة على الرجال.
ذكرتم في: الخطبة الأولى من صلاة الجمعة في عراد - مملكة البحرين - جامع الإمام علي (ع) 13/ شهر رمضان/1427ﻫ - 6/10/2006م
ما يلي:-
السؤال الأول: لماذا لم تفرض عدة الوفاة على الرجل؟ لماذا فرض الإسلام على المرأة أن تحترم زوجها عندما يتوفى الزوج, ونتيجةً لهذا الفرض حرّم عليها أن تتزوج من رجلٍ آخر إلى فترة أربعة أشهرٍ وعشرة أيام؟ في حين لم يفرض هذا الاحترام على الزوج؟
والموضوع كما تقدم لا علاقة له بالحمل، لأن عدة الوفاة واجبةٌ حتى إذا لم تكن هناك معاشرةٌ زوجيةٌ بينهما إطلاقاً، لماذا فرض الإسلام هذا الاحترام على المرأة عندما يتوفى زوجها ولم يفعل العكس؟ لماذا لم يفرض هذا الاحترام على الزوج عندما تتوفى زوجته فيُحَرِّمَ على الرجل أن يتزوج مثلا إلى فترة أربعة أشهرٍ وعشرة أيام؟ لماذا فرق الإسلام بين الرجل والمرأة؟
ومن المعلوم أن في البيت الواحد والأسرة الواحدة قد تكون المرأة مضحّيةً ووفيةً للرجل بأضعاف المرات إذا ما قيس ذلك إلى تضحية الرجل ووفائه لزوجته، وربما يكون الزوج في البيت سيَّءُ الأخلاق والسلوك تماماً، ومع ذلك يفرض الإسلام على المرأة أن تحترم زوجها بأن تعتد عدة الوفاة له، حتى إذا كان سيء السيرة وسيء السلوك وفاسد الأخلاق.
لكن العكس إذا كانت المرأة صالحةً خلوقةً مضحيةً وفيةً لزوجها في أعلى المراتب والمستويات وتوفت فلا يجب على زوجها أن يعتد لها, بمعنى أن يمتنع عن الزواج والتزيُّن، ماهو سر هذا التفريق؟ مع أن الإسلام يقول: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات/13), ومع أن الإسلام لا يفرق بين المرأة والرجل؟
الجواب: الحق والإنصاف قد يقتضي أن يكون هذا الاحترام مفروضاً على الجانبين, أي على الرجل والمرأة, ولكنني أبيّن هنا نقطةً وهي:
أنه يجب أن لا نغفل عن أن الإسلام أتى بأحكامه في ظرفٍ خاصٍ ومعينٍ، هذا الظرف كانت فيه عاداتٌ وتقاليدٌ ورسومٌ وسننٌ اجتماعيةٌ مفروضةٌ فيه، والمصلح الاجتماعي - سواء أكان دينياً أم غير ديني - لا يمكنه أن يصلح المجتمع في طرفة عين، أوفي فترة سنةٍ أو عشر سنوات، بعض الأعراف والتقاليد والسنن الاجتماعية الفاسدة قد يحتاج إصلاحها إلى نفسٍ طويلٍ وإلى وقتٍ بعيدٍ، ولاشك في أن الإسلام والنبي الأكرم (ص) كان متدرجاً في الدعوة، فلم يأت بجميع الأحكام العبادية والمعاملاتية في اليوم الأول من دعوته، وإنما بشكلٍ تدريجيٍ بلّغ الناس أحكام الله تعالى، ولذا ربما تعرفون أن في بداية الأمر لم يُحَرِّم الإسلام الخمر, بل جاء التحريم متأخراً فكان هناك تدرجاً, ولابد من هذا التدرج، فالمصلح الاجتماعي لا يمكنه أن ينجح في رسالته إلا إذا كان متدرجاًً في عملية الإصلاح, سواء أكان المصلح الاجتماعي مصلحاً دينيا أو مصلحاً سياسياً، أياً كان لا بد من التدرج، ولا شك في أن النبي الأكرم (ص) كان يعيش في مجتمعٍ جاهليٍ يسيطر فيه الرجل على الأسرة والبيت وعلى كل شيء, وأساساً المرأة لم يكن لها اية قيمةٍ أصلاً، فالعهد الجاهلي هو العهد الذي كانوا يقتلون فيه البنات المولودات ويتعاملون مع المرأة وكأنها ليست بإنسانة.
قد يكون التشريع الأساس في الإسلام هو فرض هذه العدة على الرجل أيضاً، لكن الوضع الاجتماعي لم يكن آنذاك صالحاً لفرض هذا الحكم والإعلان عنه.
هذا احتمالٌ واردٌ, لا أريد أن أقول بأن هذا الشيء مؤكدٌ، لكن أريد أن أقول: إن هذا احتمالٌ واردٌ بأن عدم صدور هذا الحكم من ناحية المشرع كان بسبب عدم تهيء الظرف الاجتماعي المناسب آنذاك لبيان هذا الحكم.
ما أدرانا, ربما كان هذا الحكم - أعني فرض هذه العدة والاحترام على الزوج بالنسبة إلى زوجته عندما تتوفى زوجته - من أحكام الإسلام التي لم يُعلن عنها والتي لم يبلّغ عنها الرسول ولا أئمة أهل البيت (ع) لعدم كون الوضع الاجتماعي صالحاً آنذاك لتقبل مثل هذا الحكم، لكن اليوم يقبل به إذا أُعلن عنه بل هناك مطالبةٌ به؟ لكن إذا كان النبي (ص) يعلن عن مثل هذا الحكم في ذاك اليوم وكان يقول يجب على الرجل أن يعتد عند موت زوجته, بمعنى أنه يحرم عليه أن يتزوج لفترة أربعة أشهرٍ وعشرة أيام لما كانت النفوس تقبل به.
ولابد من الإلتفات إلى أن الأحكام الموجودة بأيدينا ليست نهائية, بمعنى أن أحكام الدين التي صدرت في أيام النبي (ص) وأئمة أهل البيت (ع) والموجودة بأيدينا الآن لا تعتبر هي الصيغة النهائية لأحكام الدين.
قد تقول: اذن كيف تفسر قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا){المائدة/3}؟
والجواب: أنه ربما يكون معنى الآية المباركة إكمال الدين في ذلك اليوم بقدر ما أمكن تبليغه من الأحكام حينذاك، وأما ما لا يمكن تبليغه فلا يمكن تبليغه، أي أن الإكمال كان بالقدر الذي يمكن تبليغه، وبالقدر الذي يمكن بيانه، لكن قد تكون هناك بعض الأحكام التي تحتاج إلى زمانٍ لم يأتِ بعدُ وتحتاج إلى ثقافةٍ اجتماعيةٍ لم تنضج بعدُ، ومن المحتمل أن يكون هذا - أي فرض العدة على الرجل عند موت زوجته - من ضمن تلك الأحكام التي لم يكن الظرف الاجتماعي آنذاك مهيئاً لطرحها والإعلان عنها، وعلى هذا الأساس نحن لا نمتلك دليلاً على أن الإسلام يمانع ويعارض فرض هذا الاحترام على الزوج بالنسبة إلى زوجته، باعتبار أننا نحتمل أن يكون هذا من جملة الأحكام التي لم يتمكن النبي (ص) وأئمة أهل البيت (ع) من الإعلان عنها لعدم تهيء الظرف الإجتماعي لذلك، لأن الذي فهمناه من ثقافة ومعارف الإسلام أنه لا يفرّق بين الرجل والمرأة باعتبار الجنس، ولايفضِّل الرجل بما أنه رجلٌ على المرأة، فالإسلام يرفض هذا الشيء رفضاً تاماً، ولا تفضيل من منطلق الذكورية والأنوثية في الإسلام، هذا من ثوابت الإسلام، هذا من الأسس الثابتة في الإسلام.
إذاً مقتضى ما أنسناه من ثقافة الإسلام ومن الأصول المسلّمة في الإسلام ان لا نستبعد تبليغ صاحب الزمان (ع) لمثل هذا الحكم في وقته وزمانه.
وقد بينت لكم سابقاً أنه ربما يستفاد من روايات أهل البيت (ع) أنه عند مجيء صاحب الزمان (ع) ستكون هناك أحكامٌ جديدةٌ، وسيكون هناك شيءٌ جديدٌ كما يستفاد من الروايات المتعددة المروية عن أهل البيت (ع). انتهى موضع الحاجة.
التعليق
أقول: في هذه الملاحظة لا نريد ان نسترسل في الكلام ولا نرغب في التعليق على كثير من الأشياء بل نذكر بعض رؤوس الأقلام المهمة كما فعلنا فيما سبق فنكتفي بذكر ستة تعاليق.
التعليق الأول:- إذا كانت الآية الكريمة }
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأُنثى...{
دالة على المساواة في التشريع وتقطعون بكبرى ان الإسلام لا يفرق بين الجنسين وان الإسلام شرع عدة الوفاة للمرأة وبأن عدة الوفاة لاحترام الزوج فيجب ان تؤمنوا بالنتيجة وهي لزوم عدة الوفاة على الرجل احتراما للزوجة تطبيقا لمبدأ المساواة أليس القطع بالكبرى والصغرى مع الشك في النتيجة خللا منطقيا؟
لماذا لم تجزموا بفرض العدة على الرجل بعد تمامية المقدمات التي فرغتم من صحتها؟
فهذا كمن يقطع بان الحديد يتمدد بالحرارة, وان هذه الحديدة أصابتها الحرارة, ولكنه في الوقت نفسه يشك في تمدد هذه الحديدة.
وإذا كنتم تشكون في النتيجة فما الداعي لذكرها وما هي الحكمة من طرحها للرأي العام هل حقا بيان مثل هذا الاحتمال ينمي الوعي الديني؟!
فإذا كان من الحكمة إخفاء بعض ما يعلمه المرء, فإن إخفاء كثير مما يشك فيه المرء, فيه من الحكمة خير كثير.
التعليق الثاني:- من علم بالعلة علم بالمعلول, وقد علمتم بعلة عدة الوفاة وأنها احترام الزوج. والسؤال كيف صار المعلول والنتيجة انتظار أربعة أشهر وعشرة أيام وليس أكثر ولا اقل.
ما هي علاقة الاحترام المطلوب بهذه المدة بالتحديد لم تقدم شرحا يوضح وجه ارتباط مدة العدة بالاحترام وهل انه لا يتحقق بما هو اقل ولو بيوم واحد؟
فالاحترام يتحقق بأربعة أشهر بل بثلاثة أشهر بل بأقل فالاحترام أمر رمزي وإلا لماذا لا يجب الاحترام بترك الزواج نهائيا؟ كما هو الحال في نساء رسول الله (ص) وفي نساء النصارى حسب اعتقادهم, فلا شك أن ترك الزواج بشكل نهائي فيه كمال الاحترام وتمامه. ولماذا لا يكون الاحترام بطريقة أخرى طالما انه رمزي يكشف عن الوفاء للزوج ثم لماذا يسن الاحترام لماذا لا يترك قرار الاحترام للزوجة؟
والخلاصة أن الاحترام إذا كان المطلوب منه الوفاء التام فيتعين ترك الزواج بشكل نهائي وإذا كان المطلوب من الاحترام شيئا رمزيا كفى ما هو اقل من هذه المدة الطويلة, بل كفى كل ما يعبر رمزيا عن هذا الاحترام.
ما لم افهمه وجه ارتباط هذه المدة الخاصة وهذا الأسلوب المحدد بالاحترام كيف عرفتم العلاقة الدقيقة بين العلة والعدة بهذه المدة.
وماذا لو تزينت الزوجة ورقصت وفرحت في مدة عدة الوفاة وأظهرت عدم احترام زوجها ألا تنتهي العدة أليس الحداد أمرا تعبديا لا يتوقف انتهاء عدة الوفاة عليه؟ كما هو الرأي المشهور والمنصور.
ثم لماذا يفرض الاحترام على الجميع؟ أليس من الرجال من لا يستحق الاحترام لظلمه وعدم وفائه واحترامه لزوجته, أو لارتداده عن دينه قبل موته؟ فبمقتضى منطقكم فرض الاحترام في مثل هذه الحالة ظلم للمرأة وتمييز ضدها؟.
ولماذا لم تقترحوا بديلا عن عدة الوفاة يفي بالاحترام, كما اقترحتم بديلا عن عدة الفراق؟.
أتمنى أن لا يحدث ذلك ضمن تكملتكم لبحث العدة التي وعدتم بها.
أما أنا فأرجو أن تسمح لي حيث لا اعلم علة عدة الوفاة, فلا اعرف بديلا عن العدة, ولا أدري لماذا عدة الوفاة بهذه المدة بالتحديد ففي رأيي أن المدة هنا كعدد ركعات صلاة المغرب لا نعرف السر فيها. ولكن من علم ان العلة هي الاحترام, فيتعين عليه قبول بديل يفي بغاية الاحترام. فما أكثر وسائل التعبير عن الاحترام فزيارة قبره, وإهداء ثواب قراءة القرآن, والصلاة, والصدقة, والحج, أو فعلها نيابة عنه, وإقامة العزاء عليه, ولبس الثياب السوداء, كلها وسائل تظهر كمال الاحترام للزوج. على أن وسائل التعبير عن الاحترام تتغير وتختلف من زمان لآخر فقد يكون في زمان مجرد (وقوف صمت لدقائق) فيجب أن تخضع لتغير المفاهيم والأعراف الاجتماعية.
وماذا لو طلب الزوج من زوجته أن تتزوج فورا بعده بأحد أقربائه مثلا حتى يعوض أولاده بحنان دافئ ورعاية واسعة بدلا عن حنان أبيهم المفقود ورعايته الزائلة, هل يسقط وجوب الاحترام ما دام يشكل أحد حقوقه الذي يسوغ له أن يتنازل عنها, كما يتنازل عن دَينه وميراثه وكما تتنازل هي عن النفقة والقسم والبيتوتة إن شاءت فيسقط وجوبها بالتنازل عنها.
ثم لماذا فرضت عدة الوفاة على الزوجة التي ارتد زوجها عن فطرة؟ كما تنص على ذلك الروايات والفتاوى.
هل هي استبيان حالها من الحبل وعدمه؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فلماذا صارت أربعة أشهر وعشرة أيام وزادت على المطلقة؟ ولماذا فرضت على اليائس وغير المدخول بها؟ إذ يجب على المرتد زوجها عن فطرة ان تعتد عدة الوفاة وان لم يدخل بها فلا يمكن ان يكون استكشاف الحبل علة للعدة. وإذا كان الجواب بالسلب فهل هي لاحترام المرتد وإجلاله لتغيير دينه؟ وهل يكشف ذلك عن قيمة حرية التعبير عن الرأي في الإسلام؟!.
التعليق الثالث:- لا يمكن سكوت النبي (ص) والأئمة (ع) عن بيان حكم الله مداراة ومجاراة للأعراف والتقاليد, بل الإسلام هدم كل ما هو باطل, وأقر الموافق للحق فأشاد منظومة قيمية لا مجاملة فيها, } وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى[3] إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[4]{
} أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ {المؤمنون/70} وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ {المؤمنون/71}{
فقد واجه رسول الله (ص) كفار قريش ومشركي مكة قائلا: ( والله لو وضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا القول حتى أنفذه أو اقتل دونه).()
وجاء في الزيارة الجامعة: (وجاهدتم في الله حق جهاده حتى أعلنتم دعوته، وبينتم فرائضه وأقمتم حدوده، ونشرتم شرائع أحكامه، وسننتم سنته....()
ولو قبلنا سكوت القرآن والنبي (ص) والأئمة عليهم السلام عن بيان حكم عدة الوفاة على الرجل مداراة وخشية, فماذا تقول عن عموم وإطلاق الآيات والأحاديث الدالة على مشروعية بل استحباب الزواج أليست بيانا للحكم, أليست تبليغا لحكم الله, وإعلاما لإرادة الله التشريعية.
كقوله تعالى: } فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ {النساء/3}({(
وقوله تعالى: } وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[32]({(
ألا تشمل الآيتان من ماتت زوجته قبل مضي أربعة أشهر وعشرة أيام؟.
أو أنكم لا ترون الإطلاق والعموم بيانا, هل لكم نظرية جديدة تنفي حجية العموم والإطلاق؟
فهل يبين القرآن والنبي (ص) والأئمة (ع) حكما على خلاف الواقع؟ أيمارسون الكذب أو نوعا من النفاق ليبنوا على الباطل ويوقعوا الناس في المفاسد والأضرار التي تمتد وتطال الأجيال المتعاقبة إلى ما يعلم الله سبحانه؟ ان داعي مسايرة العرف الجاهلي انتهى ومع ذلك يصر الإسلام على ذلك الحكم مع سبق علمه بسرعة زوال العرف الجاهلي ورغم ذلك تعمد التعتيم وأعطى تشريعا يتوافق مع الجهل ويتعارض مع العدالة والحكمة ليبقى حتى مع زوال دواعي المداهنة ويبقى الناس في المفسدة نتيجة بقاء ذلك الحكم إن القول بذلك فضيح للغاية وسخيف للنهاية.
التعليق الرابع:- ان التدرج في بيان أحكام الشريعة لا يمتد قطعا لما بعد ظهور صاحب العصر والزمان, أرواحنا لتراب مقدمه الشريف الفداء, ومع تسليمه فهذا التدرج لا يمكن ان ينسخ أحكام القرآن, ولا يكون مبدلا لفرائض الإسلام, فلو قبلنا هذا الطرح فهو في إطار بعض التفصيلات التي اختفت بفعل عامل الزمن, وطول الغيبة, وإنما الشيء الجديد الذي يأتي به صاحب الزمان سلام الله عليه, فهو بالقياس لاختفاء الأحكام على عامة الناس, أو لعدم العمل بها فيصير غريبا غربة نظرية أو عملية, كل ذلك بسبب انتشار الظلم, وابتعاد الناس عن مصادر الشريعة بزمان مديد, فالروايات الواردة بشأن ما يأتي به صاحب الزمان عليه السلام من الأمر الجديد واضحة بل صريحة في هذا المعنى كالذي استندتم إليه وهو ما رواه العلامة المجلسي في البحار عن كتاب الغيبة للنعماني بسنده عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إن قائمنا إذا قام دعا الناس إلى أمر جديد كما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وإن الإسلام بدا غريبا وسيعود غريبا كما بدا فطوبى للغرباء.()
فالتعبير بان الإسلام سيعود غريبا لدليل ساطع على خفاء أحكام الإسلام عن عامة الناس, أو عدم تطبيقها, وكم لهذا من نظائر في بعض بلدان المسلمين فمثلا يسنون قانونا على خلاف الشريعة الإسلامية, فيجهل الناس حكم الإسلام وربما ظنوا القانون حكم الإسلام فها هي قوانين الأحوال الشخصية في بعض بلدان المسلمين مثال واضح ونموذج جلي لما نقول وهكذا غربة الإسلام تحصل تدريجيا.
ولو كان الأمر كما ذكرتم لكان صاحب الزمان صاحب رسالة ونبيا من الأنبياء يأتي بدين جديد, فحلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة, كما ورد في الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام, نظير صحيحة زرارة رواها الكليني في الكافي عن عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) عَنِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ فَقَالَ حَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ حَرَامُهُ حَرَامٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَكُونُ غَيْرُهُ وَ لَا يَجِيءُ غَيْرُهُ وَ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ ( عليه السلام ) مَا أَحَدٌ ابْتَدَعَ بِدْعَةً إِلَّا تَرَكَ بِهَا سُنَّةً.()
التعليق الخامس:- آية إكمال الدين ظاهرة بقوة كالنص في إتمام وإكمال الشريعة, ولا وقع لإبداء احتمال إكمال ما يمكن إكماله وإتمام ما يمكن إتمامه, لان هذا بالإضافة لمخالفته الظهور الواضح القوي, ينقض أصل الإتمام ومعنى الإكمال, إذ لا إكمال ولا إتمام بعد بقاء جزء لم يتم تبليغه, مهما كان سبب عدم الإكمال والإتمام, فبالنتيجة هذا الفرض يناقض وينافر معنى الإتمام والإكمال, فلا يصغى لمثل هذا الكلام الذي لا ينبغي التفوه به.
ولعلني غير مبالغ لو ادعيت ان الآية نص في تبليغ الشريعة بما يوافق الحق من غير نقصان.
التعليق السادس:- وردت روايتان إحداهما تلزم الرجل المتزوج بأربع ان يمتنع عن الزواج بالخامسة, عندما تتوفى إحدى الأربع لحين انقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام, والأخرى تبيح له ذلك متى شاء.
اما الملزمة بالامتناع فهي رواية عمار (موثقة عند المشهور) رواها في الوسائل عن محمد بن الحسن بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَتَمُوتُ إِحْدَاهُنَّ فَهَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْرَى مَكَانَهَا قَالَ لَا حَتَّى تَأْتِيَ عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَ عَشْرٌ...()
واما المبيحة للزواج دون انتظار فهي رواية علي بن جعفر رواها في الوسائل عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فِي قُرْبِ الْإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَمَاتَتْ إِحْدَاهُنَّ هَلْ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي عِدَّتِهَا أُخْرَى قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُتَوَفَّاةِ فَقَالَ إِذَا مَاتَتْ فَلْيَتَزَوَّجْ مَتَى أَحَبَّ.()
ورواها أيضا عن كتاب علي بن جعفر فتكون معتبرة بهذا الطريق على إشكال.
ويؤكد نفي العدة عن الرجل صحيحة زرارة التي رواها في الوسائل عن محمد بن الحسن بإسناده عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ وَ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا النِّسَاءُ قَالَ تُغَسِّلُهُ امْرَأَتُهُ لِأَنَّهَا مِنْهُ فِي عِدَّةٍ وَ إِذَا مَاتَتْ لَمْ يُغَسِّلْهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا فِي عِدَّةٍ.()
وتدل على انتفاء العدة عن الرجل كما يدل إطلاق نفي العدة على جواز نكاح الخامسة فتعارض رواية عمار, فان لم يتم سندها سقطت بضعف السند وإن تم سندها فبمخالفتها عموم القرآن المجوز ترجح المجوزة عليها, وبغض النظر عن ذلك تسقط بملاك التعارض, فالمرجع الأدلة العامة المجوزة, ولو تم سند المانعة ودلالتها دون المجوزة فبناء على ان إعراض المشهور أو إعراض الجميع يسقط الصحيح عن الاعتبار أيضا تكون النتيجة الجواز نعم الاحتياط بالامتناع حسن جدا, وان لم يكن لازما.
نعم قد تشكل معارضة صحيحة زرارة لمعارضتها مع الروايات المجوزة لتغسيل الرجل زوجته ورجحان الأخيرة, ولكن ذلك لا يخرجها عن حريم المعارضة في المقام لعدم العلم ببطلان مضمونها وإذا كان منعها التغسيل صدر تقية فالتعليل لا موجب فيه للتقية فيحمل على الجدية فيثبت المطلوب.
مع ملاحظة ان الرواية المانعة من الزواج تعد من الغرائب التي انفرد عمار الساباطي بنقلها. وانفراده بالغرائب احد الأسباب التي جعلتنا نستشكل في الاعتماد على رواياته, بل ملنا لعدم حجيتها وان كان موثقا في كلمات علماء الرجال, في بحث لا مجال لعرضه هنا.
وعلى أي حال لا ربط لذلك بالمسألة المطروحة أولا: لعدم ارتباطها بعدة الوفاة على الرجل فرواية عمار كأن النظر فيها إجراء حكم العدة على المرأة المتوفاة, بل لا يبعد رجحان هذا الاحتمال من خلال عبارة (حَتَّى تَأْتِيَ عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ) ومن خلال سياق الرواية وإلا فلا معنى لاختصاص السؤال بمن له أربع زوجات, فكأن المتوفاة في حباله وبهذا اللحاظ منعت الرجل من نكاح الخامسة حتى تنتهي عدة المتوفاة, كما هو الحال بالنسبة لطلاق إحدى الأربع حيث لا يجوز له ان يتزوج بالخامسة قبل انقضاء عدة المطلقة وان شئت سميت ذلك عدة للرجل, وفي صحيحة علي بن جعفر أيضا يفرض السائل ان المتوفاة في عدة إذن احتمال ان المتوفاة بحكم المعتدة كان واردا في ذهن السائل ونفس هذا الاتجاه راجح في رواية عمار, ويؤيده الروايات المجوزة لتغسيل الرجل زوجته المتوفاة, الأمر الذي يعزز هذا الاحتمال في نفس السائل.
فالمسألة ترتبط باحتمال ان المتوفاة في حكم المعتدة, فنكاح أخرى قبل انتهاء عدة المتوفاة يساوي الجمع بين خمس نساء.
وثانيا: الفرض المذكور - مضافا إلى انه لا يرتبط بالعدة على الرجل والحداد - خاص بمن له أربع زوجات, فلا يتعدى الفرض إلى من هو متزوج بأقل من أربع كما لا ربط له بالمتزوج زواجا منقطعا.
وثالثا: منهج الاستنباط هنا إتباع النص وليس القياس أو الاستحسان فنحن نتعبد بالنصوص والأحاديث ضمن قواعد الاستنباط.
مضافا إلى انه إذا صح ما رواه عمار من لزوم الانتظار أربعة أشهر وعشرة أيام, كان كافيا في رد دعواكم احتمال عدم تبليغ مثل هذا الحكم مداراة وتقية, فها هو بُلِغ ولم يُعَر العرف الجاهلي المزعوم أي اهتمام.
ختاما ذكر أبو طالب المكي المتوفى عام 386هـ في كتابه (قوت القلوب) ما مضمونه: يقال ان الإمام علي (ع) تزوج بعد شهادة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها بتسع ليال فنكح أمامة بنت أبي العاص وأمها زينب بنت أبي جحش.
مما يؤكد دحض دعوى احتمال ثبوت عدة الوفاة على الرجال عند موت زوجاتهم.
ولعل المتتبع يجد شواهد إضافية من سيرة المعصومين عليهم السلام.
الملاحظة التاسعة: لا يجوز الدخول بالصغيرة.
قلتم في الخطبة الأولى من صلاة الجمعة في عراد - مملكة البحرين - جامع الإمام علي(ع) 6/ رمضان /1427ﻫ - 29/9/2006م:
قد يقول أحدٌ: أنه حسب هذا الطرح إذا طُلّقت المرأة و فحصت وتبين أنها ليست بحاملٍ يجوز لها فوراً أن تتزوج من رجلٍ ثاني، وبعد الرجل الثاني إذا فحصت وتبين أنها ليست بحامل جاز لها أن تتزوج من رجلٍ ثالث وهكذا، يعني أنه يجوز لها في اليوم الواحد أن تتزوج من عشرة رجالٍ او أكثر مثلاً, هل هذا ممكنٌ شرعاً؟ الجواب: نعم ممكنٌ، فالمرأة اليائسة التي لا ترى العادة الشهرية يجوز لها أن تتزوج من رجلٍ ثم تنفصل عنه، ثم تتزوج من ثاني وتنفصل، ثم من ثالثٍ وتنفصل، وهكذا من رابع وخامس ...، هذا حكم الإسلام، ويفتي به جميع الفقهاء. وهكذا البنت الصغيرة التي لم ترى العادة الشهرية إذا أمكنها أن تتزوج من عدة رجال في فترةٍ بسيطة, فإنها يجوز لها ذلك أيضاً فإذاً بعض الأسئلة التي قد تخطر في ذهن بعض الإخوة أو الأخوات ليس لها منشأٌ علميٌ, إنما هي استيحاشاتٌ ناشئةٌ من عدم الإنس بالفروع الفقهية. انتهى.
أقول: التمثيل بالبنت الصغيرة غير صحيح, لعدم جواز الدخول بها ما دامت صغيرة لم تبلغ, فالتمثيل بها يوهم جواز مقاربتها, كما هو الحال بالنسبة لليائس, فليس المقصود الزواج بها بدون دخول لان جواز ذلك لا يختص بالصبية ويشمل البالغة.
كما لا أظنكم تقصدون الجواز بالنسبة لها, لعدم جريان قلم التكليف عليها, لذلك أظنه سهوا غير مقصود.
وما يذكره الفقهاء من سقوط العدة عن الصغيرة لا ربط له بجواز الدخول, إذ الكلام عن حكم العدة على فرض الدخول, بينما تستشهدون بجواز فعل ذلك بالنسبة للصغيرة للتأكيد على جواز نفس الأمر بالنسبة للكبيرة غير اليائس.
لكن ما الداعي للتأكيد على جواز زواج ودخول عشرة رجال وأكثر في يوم واحد, رغم ان الفحص الطبي في حدود ظني, لا يتم ولا يعطي نتيجة قبل تأخر الدورة الدموية عن موعدها, كما نلاحظ عند مراجعة النساء للأطباء, وسواء صح إمكان ذلك طبيا أم لا, المشكلة في التأكيد على جواز ممارسة الجنس مع امرأة واحدة لعشرة رجال في يوم واحد, أليس مثل هذا التأكيد يثير الغبار والتشنيع على المذهب, ويظهر امتهان كرامة المرأة وأنها ليست سوى آلة لاستمتاع الرجل فيستغلها, دون أدنى فائدة ترجى من مثل هذا الكلام فلا ربط له قطعا بتنمية الوعي الديني.
إن انتقاء المناسب من القول حذرا من التربصات التي قد تتصيد في الماء العكر هو ما يؤكد على رسوخ الوعي الديني.
هذا وقد أغمضنا النظر عن الكثير من الأمور- والتي أقلها تكرار كلمة (حاملة) وهذا خطأ والصحيح حامل - وأهملنا التعليق عليها رعاية للاختصار واهتماما بالنقاط الرئيسية وحفاظا على التوازن ومحافظة على جوهر المطالب دون التأثير عليها بإبداء ما ربما يقع موردا للنقاش والجدال فيتحول النظر من المطلب الرئيسي إلى مسائل جانبية ونأمل من سماحتكم التدارك لتصحيح الحال وإزالة الالتباس عن الإسلام وعن شخصكم الكريم لتعود ناصعا نافعا كما كنت دائما وان تجد نصيحة محبكم مكانا لها عندكم وان تتحفونا بملاحظاتكم وتزودونا بتعليقاتكم, فلست ازعم الكمال ولا ادعي خلو ما كتبت من النقص والإعلال خصوصا انه سطر على عجال نسأل الله العلي القدير ان يتقبله بأحسن القبول. والحمد لله رب العالمين.
داعيكم المخلص لكم راجي عفو ربه علوي بن سعيد الموسوي البلادي.
تم بالسابع من شهر شوال لعام 1427 هجرية على هاجرها وآله ألف سلام وتحية.
الموافق 30 /10/2006م
